لأنّ «إنّ» توكيد للجملة (١) ، والقسم توكيد للجملة المقسم عليها ، فإذا قال (٢) : إنّني لأميل (٣) فقد (٤) علم أنّه أكّد ، فإذا قال «قسما» فإنّما ذكر ما تعيّن بالجملة الأولى ، وهو معنى قوله (٥) : «توكيدا لنفسه».
ومنه قوله تعالى : (صُنْعَ اللهِ)(٦) بعد قوله تعالى : (وَتَرَى الْجِبالَ) ، لأنّ ذلك معلوم ممّا تقدّم ، ومنهم من يزعم أنّه توكيد لما تقدّم قبل ذلك من قوله : (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ)(٧) ، وكيفما قدّر فهو توكيد لنفسه.
وقولهم : «الله أكبر دعوة الحقّ» ، كأنّهم كانوا يتداعون بها لينحاز سامعها من أهل الحقّ إليهم ، فصحّ (٨) أن يكون توكيدا لنفسه.
قال : «ومنه ما يكون (٩) مثنى».
هذا النوع له جهتان : سماعيّة وقياسيّة ، فالسّماعيّة : أن يسمع كونه مثنّى بهذا المعنى ، فلا يقاس عليه ، فيثنّى غير ما سمع ، والقياسيّة : أنّ كلّ ما جاء مثنّى حذف فعله وجوبا من غير أن يحتاج إلى سماع منهم ، ومعنى التثنية في ذلك التكرير والتكثير ، وقال الخليل في «حنانيك» : معناه : كلّما كنت في رحمة [وخير](١٠) منك فليكن موصولا بآخر (١١).
__________________
(١) في ط : «الجملة».
(٢) في ط : «قيل».
(٣) في ط : «أميل».
(٤) في د : «وقد» ، تحريف.
(٥) أي الزمخشري ، وعبارته «أو لنفسه» ، المفصل : ٣٢.
(٦) النمل : ٢٧ / ٨٨ والآية : (وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ).
(٧) النمل : ٢٧ / ٨٧ ، ممّن ذهب إلى هذا الزمخشري في الكشاف : ٣ / ١٥٤ ، وخالفه أبو حيان وردّ عليه ، وذهب إلى أنّ «صنع الله» مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة. انظر البحر المحيط : ٨ / ١٠١.
(٨) في ط : «فيصح».
(٩) في المفصل : ٣٣ «جاء».
(١٠) زيادة عن الكتاب : ١ / ٣٤٩.
(١١) في د : «موصولة بأخرى» ، وانظر الكتاب : ١ / ٣٤٨ ـ ٣٤٩ ، وقال المبرد : «وحنانيك إنما أراد حنانا بعد حنان ، أي : كلما كنت في رحمة منك فلتكن موصولة بأخرى» المقتضب : ٣ / ٢٢٣.
![الإيضاح في شرح المفصّل [ ج ١ ] الإيضاح في شرح المفصّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2183_alezah-fi-sharh-almofassal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)