يكون بغير جدّ ، فإذا قال جدّا فقد ذكر أحد المحتملين ، ثمّ أدخلوا همزة الاستفهام إيذانا بأنّ الأمر ينبغي أن يكون كذلك على سبيل التقرير ، فقدّم المصدر من أجل همزة الاستفهام ، فصار «أجدّك لا تفعل كذا» ، ثمّ لمّا كان معناه تقرير (١) أن يكون الأمر على وفق ما أخبر صار في معنى تأكيد كلام المتكلّم ، فيتكلّم به من يقصد إلى التأكيد ، وإن كان ما تقدّم هو الأصل الجاري على قياس لغتهم.
ويجوز أن يكون معنى «أجدّك» في مثله أتفعله جدّا منك؟ على سبيل الإنكار لفعله جدّا ، ثمّ نهاه عنه ، أو أخبر (٢) عنه بأنّه لا يفعله (٣) ، فيكون «أجدّك» توكيدا لجملة مقدّرة دلّ سياق الكلام عليها ، وممّا يدلّ على أنّهم (٤) يقولون : «أفعله جدّا» قول أبي طالب (٥) :
|
إذن لاتّبعناه على كلّ حالة |
من الدّهر جدّا غير قول التّهازل / |
ومن التوكيد لغيره «فعله ألبتّة».
ثمّ مثّل في النوع الثاني بقولهم : «له عليّ ألف درهم عرفا» ، أي : اعترافا ، ومعلوم أنّ من قال : «له عليّ ألف درهم» فقد اعترف ، ولا يحتمل غيره ، فإذا قال : اعترافا فقد ذكر ما دلّ عليه الأوّل ، وتعيّن له ، وكان (٦) توكيدا لنفسه على ما تقدّم تفسيره ، ومنه قول الأحوص (٧) :
|
إنّي لأمنحك الصّدود وإنّني |
قسما إليك مع الصّدود لأميل |
__________________
(١) في ط : «تقدير» ، تحريف.
(٢) في ط : «وأخبر» ، تحريف.
(٣) في الخزانة : ١ / ٢٦٢ «يفعل».
(٤) في د : «على الأصل أنهم».
(٥) البيت في ديوانه : ٧٣ وزهرة الأدباء في شرح لامية شيخ البطحاء : ٣٨ ، وشرح سيرة ابن هشام : ١ / ٢٩٩ والخزانة : ١ / ٢٥١ ، وهو من قصيدة استعطف فيها أبو طالب قريشا وأخبرهم أنه غير مسلم الرسول ولا تاركه.
ونقل البغدادي في الخزانة : ١ / ٢٦٢ من كتاب الإيضاح لابن الحاجب الفقرة من قوله : «أصله : لا تفعل كذا» إلى البيت أبي طالب.
(٦) في ط : «فكان».
(٧) البيت في شعر الأحوص : ١٦٦ ، والكتاب : ١ / ٣٨٠ ، والخزانة : ١ / ٢٤٧ ، وورد بلا نسبة في المقتضب :٣ / ٢٣٣ ، ٣ / ٢٦٧ ، ورواية البيت في شعر الأحوص : «أصبحت أمنحك الصدود ... البيت».
![الإيضاح في شرح المفصّل [ ج ١ ] الإيضاح في شرح المفصّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2183_alezah-fi-sharh-almofassal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)