ثمّ ذكر العامل فقال : «وكونهما مجرّدين للإسناد هو رافعهما».
وقد تقدّم أنّ العامل هو المعنى الذي يتحقّق به مقتضي الإعراب ، وللنحويّين في تعيينه ههنا مذاهب :
فذهب البصريّون المتأخّرون إلى ما ذكره ، وهو كونهما مجرّدين للإسناد (١) ، وذهب المتقدّمون منهم إلى أنّ كون (٢) المبتدأ مجرّدا عن العوامل اللفظية (٣) للإسناد رافع له ، وهو والمبتدأ (٤) جميعا رافعان للخبر (٥).
وذهب الكوفيّون إلى أنّ المبتدأ عامل في الخبر ، والخبر عامل في المبتدأ (٦).
فوجه الأوّل أنّه معنى اقتضى الأمرين جميعا اقتضاء واحدا في تحقيق ما به ثبت الإعراب ، فوجب أن يكون هو العامل فيهما ، كما في «ظننت» ، ولا بدّ من أخذ التجريد باتّفاق ، لأنّه لو لا التجريد لانتفى ذلك المعنى الذي يكون هذا الإعراب منه (٧) فوجب اعتباره.
ووجه الثاني أنّه عدميّ ، فوجب أن لا يصار إليه على انفراده إلّا لضرورة ، ولا ضرورة تلجئ باعتبار الخبر ، فوجب أن يكون المبتدأ معه جزءا في العمل ، وهذا ليس بشيء في التحقيق ، فإنّه وإن كان عدميّا ففيه اعتبار الوجود ، وهو الإسناد ، فلم يكن عدما صرفا ، بل معه وجود ، فصارت
__________________
(١) هذا مذهب الجرمي والسيرافي والزمخشري وجماعة من البصريين ، وردّ ابن مالك على من قال بهذا القول في شرح التسهيل : ١ / ٢٧١ ـ ٢٧٢ ، وأوضح الدماميني المقصود بالتجرد للإسناد فقال : «والفرق بين الابتداء والتجرد للإسناد أن التجرد للإسناد وصف هو التجرد مقيد بقيد واحد ، وهو كونه للإسناد ، أي إسناده إن كان خبرا أو وصفا رافعا لمكتفى به أو الإسناد إليه إن كان مبتدأ غير وصف وأن الابتداء عبارة عن أوصاف متعددة» تعليق الفرائد : ٣ / ١٧.
(٢) في ط : «يكون» ، تحريف.
(٣) سقط من ط : «اللفظية» ، خطأ.
(٤) في ط : «المبتدأ» ، تحريف.
(٥) صرّح المبرد بهذا الرأي في المقتضب : ٢ / ٤٩ ، ٤ / ١٢٦ ، وابن جني في الخصائص : ٢ / ٣٨٥ ، ومذهب سيبويه أن المبتدأ مرفوع بالابتداء وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ ، انظر الكتاب : ٢ / ١٢٦ ـ ١٢٧.
(٦) انظر مذاهب النحويين في هذه المسألة الأصول : ١ / ٦٢ ، والإنصاف : ٤٤ ـ ٥١ ، والتبيين عن مذاهب النحويين : ٢٢٤.
(٧) في د : «عنه».
![الإيضاح في شرح المفصّل [ ج ١ ] الإيضاح في شرح المفصّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2183_alezah-fi-sharh-almofassal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)