فقال : إذا جئتم المدينة اجتمعوا بشيخ الخدام وشيخ الحرم وفقهائه واذكروا لهم.
فذهب ، وقدموا المدينة وحضروا في المسجد الشريف وأدّوا ما عندهم من الشهادة بين الخدام والمجاورين ، ثم إنه ذهب إلى أقصى الغرب فاجتمع بأبي سعيد عثمان (١) بن يعقوب بن عبد الحق ، فأكرمه وخوّله مالا كثيرا فانتقل إلى الأندلس ، رغبة في الشهادة.
فلما استقر بها وكثر خيره وخيله وخوله وعبيده وجواريه ، أتاه أجله فتوفي رحمهالله عن وصية أخرج منها خمسمائة دينار لوقف يشترى بالمدينة يصرف ريعه على من بالمدينة في المدرسة الشهابية من المالكية والشافعية ، وإنما خص به الشهابية ؛ لأنها كانت مستقره ولم يكن في وقته غير هاتين الطائفتين ، حتى جاء شمس الدين ابن العجمي فولف جماعة من الطلبة الشافعية ، وأمرهم بالاشتغال بمذهب أبي حنيفة ، فأجابوه إلى ذلك ، وتفقه منهم جماعة وصاروا أئمة وقتهم ، وانتفع الناس بعلومهم ، وظهر مذهب أبي حنيفة بالمدينة ببركة هذا الرجل وحسن نيته ، وكان ذلك في حدود ثلاث وعشرين وسبعمائة.
فلما وصلت الوصية على يد ولد بن سهل (٢) وزير الأندلس ، جرى فيه أحوال وقصّته طويلة ، وخرج آل منصور من المدينة بسببها ، لأن الأمير طفيل أراد أن يأخذه كله ، فكتب فيه القاضي شرف الدين الأميوطي إلى السلطان فعزله ، في قصة تشتمل على غرائب لا يسع ذكرها هذا المكان ، ووقف على الفقهاء من ذلك المال الحديقة المسماة «بغشاوة» ، ووقفت على الوصية وقرأتها ، وكان القاضي تقي الدين الهوريني (٣) يصرفها على شرط الواقف ، ولا يتخصص بشيء منها رحمهالله.
__________________
(١) هو : عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني ، صاحب مراكش وفاس : ولد سنة ٦٧٨ ه ، وتولى المملكة بعد أخيه يوسف سنة ٧١٠ ه ، توفي سنة ٧٣١. ترجمته في : «الدرر الكامنة» ٢ / ٤٥٢ (٢٦١٦).
(٢) هو : أبو القاسم محمد بن سهل الأندلسي.
(٣) هو : عبد الرحمن بن عبد المؤمن بن عبد الملك ، تقي الدين الهوريني : ولد سنة أربع وتسعين وستمائة ، ولي قضاء المدينة المنورة سنة خمس وأربعين وسبعمائة ، كما ولي الخطابة والإمامة بها ، توفي سنة ستين وسبعمائة. ترجمته في : «الدرر الكامنة» ٢ / ٣٣٤ (٢٣١٨) ، «التحفة اللطيفة» ٢ / ١٣٧ (٢٤٧٩) ، نقلا عن ابن فرحون والمجد اللغوي.
