بلسانه فيسفههم ، ويحطّ منهم ، وكان الوقت لينا على حال أهل السنّة لا يتمكن فيه من القيام بالحق ، كما هو اليوم الحمد لله.
وكان في أيامه شخص من كبار الإمامية اسمه يعقوب بن الصفي يقف في وسط الروضة ، ويقول بأعلى صوته :
|
إن كان رفضا حبّ آل محمد |
|
فليشهد الثقلان أني رافضي |
فيفزع من ذلك أهل السنّة ، وكان له في مثل هذا التعصب أمثال وله أعوان ، فأنكر الشريف يعقوب عليه ، وباحثه وخطأه في مسائل بحث فيها ، فرفع الأمر إلى الأمير منصور (١) ، فرفع الشريف ورمي في الجب ، ولم يخرجوه منه حتى غرّموه ألف درهم ، وكان لا مال له ، فضيقوا عليه ونكلوا به وتشفّوا من أهل السنّة ، فجمعت له غرامته ودفعت إليهم.
فلما جاء الموسم ارتحل إلى العراق وأقام فيه مدة ، وصحب الفقيه العلامة المصنف شهاب الدين عبد الرحمن بن عسكر المالكي (٢) ، وغيره فأحسنوا إليه إحسانا كثيرا ، ثم جاء المدينة فأقام بها وقد جمع شيئا من الدنيا ، فسلط الله عليه رجلا من أهل الشر اشتغل به ، فآذاه وبالغ في أذيته حتى وصل إلى أن قال له : ما أنت شريف ، فلحقته حمية أزعجته ، فسافر يريد بلده لإثبات نسبه ، فلقيه جماعة كثيرة من كبار أهل تونس وعلمائها ورؤسائها.
فقالوا له : أين تذهب؟
فقال : جرى لي كذا وكذا ، وأنا أريد بلدي ، وإثبات نسبي وآتي به معي ، وإلا فلا أرجع إلى المدينة وأنا بهذه الحالة.
فقالوا كلهم : نحن نشهد بأنك شريف النسب ، وأن جماعتك وأهلك كلهم كذلك ، لم يزل هذه معلوما ، وبيننا مشهورا.
__________________
(١) هو : الشريف منصور بن جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم الهاشمي الحسيني ، استقل بالإمارة في حياة والده سنة ٧٠٠ ه ، قتل في رمضان سنة ٧٢٥ ه. ترجمته في : «الدرر الكامنة» ٤ / ٣٦٢ (٩٨٨).
(٢) هو : الفقيه العالم الصالح المحدث ، شهاب الدين عبد الرحمن بن محمد بن عسكر البغدادي ، ولد سنة ٦٤٤ ه ، له تصانيف منها : «عمدة السالك والناسك» ، توفي سنة ٧٣٢ ه. ترجمته في : «شجرة النور الزكية» ٢٠٤ (٧٠٢) ، «الدرر الكامنة» ٢ / ٣٤٤ (٢٣٥٣).
