النوم أنه أذن له في ذلك ، فوعد الناس بالجلوس لهم بعد صلاة الصبح من يوم الجمعة ، فكان الناس إذا صلوا ذهبوا إلى مجلسه في آخر الحرم ، حتى إنه ليسمع للمسجد من سعيهم إرتجاج عظيم ، ولم يبق أحد في المدينة إلا حضر مجلسه من مجاورين وخدام ورجال ونساء وصبيان ، وكان قد جعلني قارئ مجلسه ، فأمرني أول يوم بأن أقرأ قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) [الحج : ٧٣] الآية.
ومن الحديث : حديث أبي سعيد الخدري «إنّ الحلال بيّن والحرام بيّن» (١).
وكان يتكلم جالسا ، فإذا غلب عليه الحال قام على قدميه وصاح بأعلى صوته ، فكأنما يقدّ بوعظه القلوب قدّا ، ويفتح عنها بابا موصدا ، وانتفع الناس بكلامه.
ومن جملة كراماته أن الأمير الكبير كبيش (٢) بن منصور كان متوليا في المدينة نيابة عن أبيه ، فبلغه أنّ عمه مقبل بن جماز (٣) أقبل من الشام يريد المدينة ، فأمر كبيش بالاحتفاظ منه ، ونادى في الناس : أن لا ينام أحد في بيته ، وليذهبوا كلهم إلى القلعة يبيتون فيها ، وحولها ، وأن من تخلف عن ذلك حلّ ماله ودمه ، فلحق الناس من ذلك كرب عظيم ، ولم يسعهم غير الطاعة.
فكان الناس كلهم مجاورهم وخادمهم ، وضعيفهم وقويهم ، وعالمهم وجاهلهم مستوين في هذا الأمر ، ولم يبق من الجماعة غير والدي والشيخ أبي محمد البسكري والشيخ أبي عبد الله القصري ، ومن حبسه عذر. وأقام الناس على ذلك أياما كثيرة حتى اطمأنوا ، وبات الناس في منازلهم وذهب عنهم الفزع في زعمهم.
فلما كان في بعض الأيام ، قام الشيخ أبو عبد الله في الناس في
__________________
(١) أخرجه البخاري في الإيمان ، باب فضل من استبرأ لدينه (٥٢) ، ومسلم في المساقاة ، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (١٥٩٩).
(٢) هو : كبيش بن منصور بن جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم الهاشمي الحسيني ، كان ينوب والده في الإمارة ، قتل في شهر رجب سنة ٧٢٨ ه. ترجمته في : «الدرر الكامنة» ٣ / ٢٦٢ (٦٨٠) ، «التحفة اللطيفة» ٢ / ٣٩١ (٣٥١٤).
(٣) هو : مقبل بن جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم الهاشمي الحسيني.
