الروضة ، فصاح قائلا : اللهم من أراد المدينة بسوء مساء فخذه صباحا ، ومن أرادها صباحا فخذه مساء.
ودعا واجتهد واحمرّ وجهه ، وقام على قدميه حتى قال من لا يعرف حاله : هذا منه هوس ؛ فإن الناس قد أمنوا وطابت قلوبهم ، وهذا الرجل يذكّر بالشر ويدعو على من أمن شره.
فلم يكن بعد ذلك إلا ليلة أو ليلتان ، إذ أصبح الأمير مقبل في المدينة قد دخلها هو وجماعة بالليل من خلف قلعتها ، وذلك أنهم نصبوا سلما استعملوه في الشام قطعا موصلا ، هو اليوم في الحرم الشريف ، وكان دخولهم ليلة السبت ثامن عشرين من شعبان سنة تسع وسبعمائة.
فلما أصبح مقبل وجماعته في الحصن ، أراد أمير المدينة الهرب ، ثم ثبته الله ، فقاتلهم كبيش مع أهل المدينة ، فانتصروا وقتل الأمير مقبل ، وجوشن وقاسم ابنا قاسم بن جماز ، وأثخن باقيهم بالجروح ، فعلموا أن الشيخ رحمهالله حدّث بذلك ، وكشف عنه وحذر الناس ، ولكن ما فهموا.
ومن جملة ما رأيت من الشيخ رحمهالله ؛ أنّه لما قدم المدينة بعد مجاورته بمكة في آخر عام اثنين وعشرين وسبعمائة ، وجد والدي قد توفي إلى رحمة الله. قال لي : ما منعك أن تقوم بوظائف والدك؟
فقلت له : يا سيدي لم يبق لي ركن ، ولا معي من يساعدني غير الله تعالى.
فقال لي : أثبت على وظائف والدك ، فأنت إن شاء الله تعان عليها.
فقلت : الاشتغال يطلب مادة وصفاء فكر ، وقد انكسر خاطري.
فقال : ألم تكن تشغل الناس بالعربية في أيام والدك؟
فقلت : بلى.
فقال : فدم على ذلك ، ومن جاءك يقرأ شيئا في الفقه فأقرئه ولو أن تصحّح له كتابه ، فقبلت كلامه وحملت نفسي على الاشتغال وصبرت ، ولازمت. وكانت حلقتي فوق حلقة والدي في حياته ولله الحمد ، واشتغلت اشتغالا جيدا حصّلت في سنتي ما لم يحصله غيري في مدّة عمره.
