قال لي الشيخ العالم الحافظ المحدث أبو عبد الله الوادي آشي : إنه سأله ، فقال له : يا سيدي هل وقفت في مدة إقامتك بمكة على مغربة أو كرامة أعدّها عنك أو أرويها لمن بعدك؟
فقال لي : وما تحت ذلك من طائل؟ فألححت عليه.
فقال لي : كنت ليلة أطوف بالبيت وحدي فيما ظهر لي ، فرأيت عن يميني وعن شمالي رجالا يطوفون معي رؤوسهم مشرفة على البيت.
واجتمعت به عام ثمانية عشر وسبعمائة بمكة ، فوجدته قد ضعف واشتد عليه السعال ، وانتفعت بمجالسته وأفادني بوعظه وبحكمته وبعلم استبدّ (١) به.
ثم قال لي : ما أظنه إلا حضر أجلي وأحب أن تكون وفاتي بالمدينة في جوار سيدي رسول الله صلىاللهعليهوسلم.
فقلت له : اعمل على ذلك.
فأوصاني أن اشتري له من الدقيق وغيره ما يكفيه لسنته ، وكان ذلك في شهر رمضان وكان يبيت في بيت عند بيت الفقيه خليل عند باب إبراهيم ، ثم دعى بفراش واستقبل القبلة ثم قضى أجلا ، ومضى عجلا رحمهالله ، وذلك في السنة المذكورة ، فلم أر جنازة كثر تابعها رجالا ونساء وكبارا وصغارا مثل جنازته رحمهالله.
رأيت النعش محمولا على رؤوس الأصابع ، ورأيت الكفن قد اسودّ من أيدي الناس يلمسونه للبركة ، وصلى عليه القاضي نجم الدين (٢) رحمهماالله تعالى.
ورأيت اليوم على طريقته وأزيد في الورع والزهد صاحبنا الشيخ
__________________
(١) في (أ): «أستمد به».
(٢) هو : نجم الدين محمد بن محمد بن أحمد الطبري المكي ، ولد سنة ثمان وخمسين وستمائة ، ولي قضاء مكة مدة تزيد على خمسة وثلاثين عاما ، كان شيخا فاضلا ، فقيها مشهورا بمعرفة الفقه ، توفي سنة ثلاثين وسبعمائة. ترجمته في : «العقد الثمين» ٢ / ٢٧١ (٣٨٥).
