موسى (١) بن علي المراكشي نفع الله به وبدعائه ، وإنما نبهت عليه لما خالطني من محبته واعتقاده ، ولما احتوى عليه من العلم والعمل والورع الكثير الذي هو من صفات الأولياء الكبار والمحققين من الأبدال ، أعانه الله على ما هو ملتزمه من الخير الكثير والدين المتين ، حتى إنه لا يتناول من الحلال إلا القوت الشظف اليسير ، لا يأكل في أرض الحجاز لحما ولا تمرا ولا سمنا ، وإنما يعمل له شيء يسير من الخبز بلا أدم في أكثر الأوقات ، وإن كان إدام في بعض الأوقات فلفت مسلوق ، وربما اكتفى المدة الطويلة بالحريرة من دقيق الشعير ليس لها إدام ، مع الصيام الدائم والقيام المستمر في صحته ومرضه إلا أن يمرض مرضا طويلا فحينئذ يفطر. وأما في العلم بمذهب مالك وغيره والأصول والفرائض وغير ذلك من العلوم فهو رحلة ، صحبته حضرا وسفرا فرأيته رجلا علم ما يطلب فهان عليه ما يجد ، وذلك مع نضارة الشباب وأنوار من مواهب الملك الوهاب نفع الله به ، وأكثر إقامته بالمدينة وهو الآن بمكة شرفها الله تعالى (٢).
وكان من شيوخنا وأصحاب والدنا الشيخ أبو عبد الله (٣) القبتوري من العلماء المتقنين من أهل الأندلس له علو سند في «الموطأ» و «الشفاء» ، وانقطع في المدينة مع أصحاب له ، كان ملازما للمسجد لا يرى إلا وحده ذاكرا أو مصليا. كان الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد الغرناطي يحكي عنه مغربات في أفعاله وأقواله ، اشترى هو وأخو الشيخ أبي العلا وآخر معهما قطعة أرض في طريق البقيع جعلوها تربة لهم فدفنوا فيها ، وهي في طرف البقيع على طريق المار إلى مسجد الإجابة بين نخل يحفّها من جوانبها قد دثر رسمها ، وما أخوفني أن تملك وتغرس لأن العارف بها اليوم قليل ، ولو كانت على السبيل ، ولكن ببركة نياتهم يحفظون إن شاء الله تعالى
__________________
(١) هو : موسى بن علي بن عبد الصمد بن محمد المراكشي. ترجمته في : «العقد الثمين» ٧ / ٢٩٩ (٢٥٤٣).
(٢) ذكر الفاسي أنه توفي بمكة سنة تسع وثمانين وسبعمائة. المصدر السابق.
(٣) هو : خلف بن عبد العزيز بن خلف الغافقي القبتوري. ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ١ / ٣٢٠ (١١٣٩) ، «الدرر الكامنة» ٢ / ٨٥ (١٦٥٢).
