للاشتغال بالمذهب المالكي حتى رآه الناس أهلا للتدريس والإلقاء والإفادة ، فدرس واشتغل وصحب رجالا من مشايخ الوقت ، وارتحل إلى الإسكندرية وأدرك بها من أهل العلم والصلاح والأئمة جماعة كثيرين فصحبهم ، وأخذ عنهم وكسب من أخلاقهم ومحاسن صفاتهم ما أظهر عليه نورا وبهاء ورئاسة لم تكن لأحد من نظرائه رحمهالله ، توفي عام سبعة وأربعين وسبعمائة بالمدينة المشرفة ، ودفن حيال قبر سيدنا إبراهيم عليهالسلام.
وكان من أصحابنا الكبار الذين لهم ورع ودين وصلابة ويقين ، الشيخ العارف والمتعبد الورع الزاهد أبو عبد الله محمد بن عرفة التونسي كان من أصحاب الوالد رحمهماالله ، لم أر أحدا مثله في اجتهاده وتحريه في العبادة ومواظبته على الحج والزيارة ، كان من أعيان أهل تونس لم يزل يتكرر إلى المدينة من بلده لتكون وفاته بأحد الحرمين فكان كذلك ، توفي ـ رحمهالله ـ بالمدينة في حدود سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ، وله ولد علامة ورع زاهد وعليه اليوم في تونس مدار الفتيا والاشتغال في علوم الكتاب والسنّة.
وكان من كبار الأولياء المتحليين بالعلم والعمل والزهد والورع قاضي طنجة الشيخ أبو الغمر (١) الطنجي ، انفرد في مدة إقامته بالمدينة المنورة النبوية عن أقرانه في العلم والعمل والانقطاع والتوجه العظيم والصوم والمجاهدة حتى لم يبق منه إلا الخيال ، فإن مسكنه برباط دكالة بالحجرة التي هي مسكن الأولياء والأخيار ، فكان يقرئ العلم فيها ، قرأت عليه الفرائض والحساب ، وكان يؤثرني ويدعو لي ، ومالت نفسه إلى الزواج وأحب أن يكون على السنّة في التزوج ، فخطب له أصحابه امرأة حسنة وسيمة ، فلما دخل عليها قبل اجتماعه بها نظر إليها فوجدها موشومة الشفة فأقام ليلته ، ثم خرج ولم يمسها ودفع لها صداقها كاملا وطلقها ، ثمّ لم يتزوج حتى توفي.
أقام بالمدينة مدة طويلة ثم انتقل إلى مكة فأقام بها مثلها على عبادة وكثرة طواف حتى إنه كاد لا يوجد إلا فيه.
__________________
(١) هو : السائب بن عبد الله بن السائب الأنصاري الخزرجي الطنجي. ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ١ / ٣٧٨ (١٤١٩) ، «العقد الثمين» ٤ / ٥٠٣ (١٢٤٤).
