الدين قاضي مكة وكانا سراجي مكة هذا في فنه وهذا في فنه ، وقلّ أن يخلفهما مثلاهما فيما بقي من الدهر ، رحمهماالله تعالى.
ومن إخواننا المالكيين المكثرين من الإقامة في المدينة المحبين في هذا المقام الشريف ، أخونا في الله محمد بن سالم الفقيه الشافعي (١) كان أخا صادقا ذا ورع ودين وعلم واجتهاد في الصّلاة والصيام والقيام ، وكسب من الدنيا كثيرا لما كان يعاني من التسبب والحركة والسفر ، فلما انقطع من ذلك قلت عليه الدنيا فصبر وصابر على العبادة والتخلي عن أصحابه ومن كان يعرفه أيام يسره وشبابه ، له أحوال المشايخ الكبار مع طهارة اللسان والعرض في كل إنسان ولو أوذي حمل وصبر ، رأيته كثيرا ما يجعل في فيه حصاة تمنعه من الكلام خوفا من لسانه وصونا لفضول كلامه.
صحبته فوق ثلاثين سنة فلم أر كأنسه وكرمه ومحبته ، تراه يترك في أيام الموسم حوائجه وحوائج أهله ، ويتطلب أصحابه فينزلهم في منزله ويضيفهم ويبذل لهم الخدمة والطعام والماء البارد الحلو ، ويخلّي لهم داره التي هو فيها ، هذا دأبه مع كل معارفه ، حتى إنه ليذهب إليهم وهم في منازلهم فيرحّلهم إلى بيته ويعزم عليهم في ذلك ، وكان بشوشا ضحوكا مزاحا في حق ، ومتى جرى منه جفوة أو غيبة ذهب إلى ذلك الشخص وتحلل منه وسأله المغفرة له ، وخلف أولادا كان أنجبهم أوسطهم عبد الرحمن (٢) كان فيه من الحياء والأدب وقضاء الحوائج ما كان في والده وزيادة ، توفي رحمهالله سنة ست وستين وسبعمائة ، وأما والده فتوفي سنة أربع وستين فيما يغلب على ظني ، رحمهماالله تعالى.
وكان ممن رفع مكانته وشهر بين الناس منزلته محل الوالد الشيخ الفقيه الجليل العلامة السيد الشريف أبو الخير (٣) بن سيدنا وشيخنا أبي عبد الله الفاسي الحسني نزيل مكة المشرفة ، نشأ في عبادة الله تعالى وتبتل
__________________
(١) هو : أبو عبد الله محمد بن سالم بن إبراهيم بن علي الحضرمي الشافعي. ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ٤٧٧ (٣٧٦٨) ، نقلا عن ابن فرحون ؛ «العقد الثمين ٢ / ١٩ (١٧٨).
(٢) ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ١٤٩ (٢٥٢٣).
(٣) ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ٥١٦ (٣٩٢٧) ، «العقد الثمين» ٢ / ١١٢ (٢٦٦).
