(و) قال (ابن مالك : هو لغة) لبعض العرب ، (و) قال (أبو حيان : ضرورة لابتداء الغاية مطلقا) أي : مكانا وزمانا وغيرهما نحو : (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) [الإسراء : ١] ، (أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) [التوبة : ١٠٨] ، (مطرنا من الجمعة إلى الجمعة) ، (خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) [الحج : ٥] الآية ، «من محمد رسول الله إلى هرقل» (١).
(وخصها البصرية) إلا الأخفش والمبرد وابن درستويه (بالمكان) ، وأنكروا ورودها للزمان ، قال ابن مالك : وغير مذهبهم هو الصحيح ؛ لصحة السماع بذلك ، وكذا قال أبو حيان : لكثرة ذلك في كلام العرب نظما ونثرا ، وتأويل ما كثر وجوده ليس بجيد.
وقال الرضي : المقصود من معنى الابتداء في (من) أن يكون الفعل المعدى بها شيئا ممتدا كالسير والمشي ، ويكون المجرور بمن الشيء الذي منه ابتدأ ذلك الفعل نحو : سرت من البصرة ، أو يكون الفعل أصلا للشيء الممتد نحو : تبرأت من فلان ، وخرجت من الدار ؛ لأن الخروج ليس ممتدا لحصوله بالانفصال ولو بأقل خطوة ، وليس (التأسيس) في الآية حدثا ممتدا ولا أصلا له ، بل هو حدث واقع فيما بعد (من) فهي بمعنى (في) ، ثم قال : والظاهر مذهب الكوفيين ؛ إذ لا منع من قولك : نمت من أول الليل إلى آخره ، وهو كثير الاستعمال ، قال : وضابطها أن يحسن في مقابلتها (إلى) ، أو ما يفيد فائدتها نحو :أعوذ بالله منك ؛ إذ المعنى ألتجئ إليه ، فالباء أفادت معنى الانتهاء.
(والتبعيض) وهي التي تسد (بعض) مسدها نحو : (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ) [البقرة : ٢٥٣] ، وقرأ ابن مسعود : حتى تنفقوا بعض ما تحبون [آل عمران : ٩٢] ، (والتبيين) للجنس وكثيرا ما يقع بعد (ما) و (مهما) ، وهما بها أولى ؛ لإفراط إبهامها نحو : (ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ) [فاطر : ٢] ، (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها) [البقرة : ١٠٦] ، (مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ) [الأعراف : ١٣٢] ، ومن وقوعها بعد غيرهما (وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ) [الكهف : ٣١] ، (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ) [الحج : ٣٠].
(وأنكرهما طائفة) فمن أنكر التبعيض المبرد والأخفش الصغير وابن السراج والجرجاني والزمخشري ، وقالوا : هي للابتداء ، وأنكر الثاني أكثر المغاربة وقالوا في الآية : هي للتبعيض ، وفي الثانية : للابتداء ، والمعنى فاجتنبوا من الرجس والأوثان وهو
__________________
(١) أخرجه البخاري ، كتاب الجهاد والسير ، باب دعاء النبي صلىاللهعليهوسلم الناس (٢٩٤١) ، ومسلم ، كتاب الجهاد ، باب كتاب النبي صلىاللهعليهوسلم إلى هرقل (١٧٧٣).
![همع الهوامع [ ج ٢ ] همع الهوامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2159_hamo-alhavamia-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
