قال : وبايع زياد لأبي بكر بعد الظهر الى أن قامت صلاة العصر ، فصلى بالناس العصر ثم انصرف الى منزله ، ثم غدا على الصدقة من الغد كما كان يفعل قبل ذلك ، وهو أقوى ما كان نفسا ، وأشده لسانا ، فمنعه حارثه بن سراقة بن معدي كرب العبدي أن يصدّق غلاما منهم ، وقام فحلّ عقال البكرة التي أخذت في الصدقة وجعل يقول :
|
يمنعها شيخ بخديه الشيب |
|
ملمّع كما يلمع الثوب |
|
ماض على الريب إذا كان الريب |
||
فنهض زياد بن لبيد وصاح بأصحابه المسلمين ، ودعاهم الى النصرة لله ولكتابه ، فانحازت طائفة من المسلمين الى زياد ، وجعل من ارتد ينحاز الى حارثة ، فكان زياد (٢٣٨ ـ و) يقاتلهم النهار الى الليل ، فقاتلهم أياما كثيرة ، وضوى الى الأشعث ابن قيس بشر كثير ، فتحصن بمن معه ، ممن هو على مثل رأيه في النّجير ، فحاصرهم زياد بن لبيد ، وقذف الله الرعب في أفئدتهم وجهدهم الحصار ، فقال الأشعث بن قيس : الى متى نقيم في هذا الحصن ، قد غرثنا (١) فيه ، وغرث عيالنا ، وهذه البعوث تقدم عليكم ما لا قبل لنا به ، والله للموت بالسيف أحسن من الموت بالجوع ، ويؤخذ برقبة الرجل كما يصنع بالذرية ، قالوا : وهل لنا قوة بالقوم.
أرتأي فأنت سيدنا قال : أنزل فآخذ لكم أمانا تأمنون به قبل أن تدخل عليكم هذه الأمداد ما لا قبل لنا به ولا يدان.
قال : فجعل أهل الحصن يقولون للأشعث افعل ، فخذ لنا الأمان فإنه ليس أحد أحرى أن يقدر على ما قبل زياد منك ، فأرسل الأشعث الى زياد : أنزل فأكلمك وأنا آمن؟ قال زياد : نعم ، فنزل الأشعث من النجير (٢) فخلا بزياد فقال : ابن عم قد كان هذا الأمر ولم يبارك لنا فيه ، ولي قرابة ورحم ، وإن وكلتني الى صاحبك قتلني ـ يعني المهاجر بن أبي أمية ـ إن أبا بكر يكره قتل مثلي ، وقد جاءك كتاب أبي بكر ينهاك عن قتل الملوك من كندة ، فأنا أحدهم ، وأنا أطلب منك الأمان على أهلي ومالي ، فقال زياد بن لبيد : لا أومنك أبدا على دمك وأنت كنت رأس الردة ،
__________________
(١) أي جعنا. النهاية لابن الاثير.
(٢) حصن كندة الذي اعتصم به الاشعث قرب حضر موت. معجم البلدان.
![بغية الطلب في تاريخ حلب [ ج ٤ ] بغية الطلب في تاريخ حلب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2139_bagheyat-altalab-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
