حال استعمال الصيغة ، والإهانة لا يحصل فيها الفعل أصلا ، لوجوده وقبل ، بل الغرض منه إظهار أن لا محل لهم فى المراعاة ، وتحقيرهم بإظهار قلة المبالاة ، والتحقير قريب من الإهانة ، وقد استعمل فيه الأمر فى قوله تعالى ـ حكاية عن موسى ـ صلّى الله على نبينا وعليه وسلم ـ (أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ)(١) أى : أن ما جئتم به من السحر حقير بالنسبة للمعجزة ، وإنما قلنا قريب ؛ لأن كل محتقر فى الاعتقاد أو فى الظاهر فهو مهان فى ذلك الاعتقاد ، أو الظاهر أى : مذلل ، ولو كانت الإهانة بالقول ، أو بالفعل غالبا ، والاحتقار كثيرا ما يقع فى الاعتقاد ، والحاصل أنه إن شرط فى الإهانة وهى التصغير إظهار ذلك قولا أو فعلا ـ كما أشرنا إليه فيما تقدم ـ فهى أخص من مطلق التحقير ، وإن لم يشترط فهما شيء واحد ، والعلاقة بين الأمر والتسخير والإهانة مطلق الإلزام ، فإن الوجوب إلزام المأمور ، والتسخير والإهانة إلزام الذل والهوان ، والصيغة فيهما تحتمل أن تكون إنشاء أى : إظهارا لمعناهما أو إخبارا بالحقارة ، والمذلة ، فكأنه على هذا قيل فيهم هم بحيث يقال فيهم أنهم أذلاء محتقرون ممسوخون ، وكونها للإخبار فى الإهانة أظهر منه فى المسخ ـ فتأمله.
استعمال الأمر للتسوية
(و) ك (التسوية) بين شيئين هما بحيث يتوهم المخاطب أن أحدهما أرجح كقوله تعالى : (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ)(٢) فإنه ربما يتوهم أن الإنفاق طوعا مقبول دون الإكراه ، فسوى بينهما فى عدم القبول وكذا (نحو) قوله تعالى (فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا)(٣) فإنه ربما يتوهم أن الصبر نافع فدفع ذلك بالتسوية بين الصبر وعدمه ، ويمثل بهذا للتسوية فى النهى ، فالصيغة فى المحلين ليس المراد بها الأمر بالإنفاق ، ولا الأمر بالصبر ، بل المراد كما دلت عليه القرائن التسوية بين الأمرين ، والفرق بين التسوية والإباحة أن الإباحة يخاطب بها من هو بصدد أن يتوهم المنع من
__________________
(١) يونس : ٨٠.
(٢) التوبة : ٥٣.
(٣) الطور : ١٦.
![مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح [ ج ١ ] مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2113_mavaheb-alfatah-fi-sharh-talkhis-almeftah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
