وهو ظاهر ، وأنت خبير بأن هذا بعد تسليمه لا ينتج إلا ثبوت الواسطة فى الجملة لا ثبوتها على الوجه المذكور عند الجاحظ (ورد) هذا الاستدلال (بأن المعنى) أى : معنى قوله : (أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) (أم لم يفتر) فيكون مرادهم ـ لعنة الله عليهم ـ إن أخباره ليست من الله تعالى على كل حال بل إما أنه اختلق ذلك بالقصد أو وقع بلا قصد ، فعبر بالافتراء الذى هو الاختلاق عن قصد عن معناه ، وعبر عن مقابله وهو عدم الافتراء بوجود الجنة لاستلزامه عدم الافتراء على وجه الكناية وهو معنى قوله : (فعبر عنه) أى : عن عدم الافتراء (بالجنة لأن المجنون لا افتراء له) فعلى هذا يكون حصر الإخبار فى الافتراء وعدمه من حصر الكذب فى نوعيه ، وهما الكذب عمدا وهو الافتراء والكذب لا عمدا وهو المراد بعدم الافتراء ، وهذا ظاهر إن سلم أن الافتراء هو الكذب عن عمد ، وهو الأظهر ، فى أكثر الاستعمال لا يقال مقابلة الافتراء بعدمه لا تدل على أن المراد بعدمه كذب ، لا عن عمد لصدق عدم الافتراء بالصدق ، ولا تحسن مقابلة الشيء إلا بما يعانده صدقا ؛ لأنا نقول : كونهم كفارا معتقدين غير الصدق يعين أن المراد عندهم بعدم الافتراء الكذب لا عن عمد ، فكأنهم يقولون ليس ثم الإخلاف الواقع فإما أنه تعمده أو لم يتعمده لجنون فناسب المقابلة ، وقد رد الله تبارك تعالى عليهم ـ لعنة الله عليهم ـ مخبرا بضلالهم وأنهم الكاذبون متوعدا عليهم بقوله وهو أصدق القائلين : (بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ)(١) ، ثم شرع فى الأبواب الثمانية وقدم منها أحوال الخبر عن الإنشاء ؛ لأن مباحثه أكثر ولطائفه كما يعلم بتتبع التراكيب أعجب ، ولأن الإنشاء فرع الخبر ؛ لأنه إما بنقل كنعم وعسى ، أو بآية كهل ، أو باشقاق كقم ، وقدم من أحوال الخبر أحوال الإسناد عن أحوال المسندين ؛ لأن البحث عنهما من حيث وصفهما بالإسناد ، ولا يتعقلان باعتبار الاتصاف بالإسناد إلا بعد تعقل الإسناد وأما كون الإسناد من النسب التى لا تعقل إلا بين المنتسبين ، فيلزم تأخر اعتباره عن الطرفين فذلك باعتبار ذات المسندين ، وبحثنا فى هذا الفن عنهما من حيث كونهما مسندين ، وهما من تلك الحيثية متأخران ؛ لا من حيث ذاتهما فقال :
__________________
(١) سبأ : ٨.
![مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح [ ج ١ ] مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2113_mavaheb-alfatah-fi-sharh-talkhis-almeftah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
