عليه ما قيل : أفترى فى الافتراء : وهو الكذب ، وفى الإخبار : حالة الجنون ، وإنما قلنا : فى الإخبار حال الجنون لا فى «أم به جنة» لأن الاتصاف بوجود الجنون الذى هو مدلول به جنة لا يصدق عليه الإخبار حتى ينحصر فيه وفى مقابله مثلا ، بل نقول : هو إنشاء باعتبار الأصل ، إذ المعنى : هل افترى علي كذبا أم هل به جنون؟ فأخبر حال الجنون ، فإن روعى الأصل لم يصح وصفه بأوصاف الخبر من الصدق أو غيره ، وإن روعى أن المعنى إما أنه مفتر وإما أن به جنونا لم يصح صدق الخبر عليه بهذا المعنى أيضا ، حتى يوصف بأوصافه ، فتعين إرادة لازمه وهو الإخبار حال الجنون وهو الموصوف بالصدق أو غيره ، فالمراد أن أمره دائر بين كونه أفترى أو أخبر حال الجنون ، فصورته صورة استفهام لطلب التعيين لاعتقاد أن الواقع أحدهما ، والمراد الحصر على وجه منع الخلو والاجتماع معا ، وإنما دل هذا الكلام على ثبوت الواسطة (لأن المراد بالثانى) وهو الإخبار حال الجنون (غير الكذب) وإنما كان المراد غير الكذب (لأنه) أى : لأن الثانى (قسيمه) أى قسيم الافتراء الذى هو الكذب ، وقسيم الشيء على وجه منع الجمع لا يصدق عليه ، وبهذا يعلم أن الحصر على وجه منع الجمع والخلو معا (و) المراد بالثانى أيضا وهو الإخبار حال الجنون (غير الصدق) وإنما قلنا : مرادهم به غير الصدق أيضا (لأنهم لم يعتقدوه) أى : لم يعتقدوا الصدق فى إخبار النبى ـ صلىاللهعليهوسلم ـ لأنهم كفار أعداء لا يعتقدون الصدق أصلا ، بل هو غاية البعد عن اعتقادهم لكفرهم لا يقال : عدم اعتقاد الصدق بعدم الاعتقاد أصلا فيتصور منهم التسليم بأن يكون غير معتقدين صدقا ولا عدمه ، فيصح أن يكون الحاصل فى نفس الأمر عندهم الصدق ؛ لأنا نقول : إنهم أعداء كفار معتقدون لعدم الصدق ، فعبر المصنف عن اعتقاد عدم الصدق بعدم اعتقاد الصدق ؛ للعلم بعنادهم ، ولو عبر به كان أظهر ، فإذا كان الإخبار حال الجنون لم يريدوا به صدقا ولا كذبا لما ذكر ، فقد أرادوا بذلك غيرهما وهم عرب يستدل باطلاقهم وإرادتهم ، لزم أن مرادهم بالإخبار حال الجنون ما هو واسطة ، فقد جعل عدم اعتقادهم للصدق المتضمن لاعتقادهم عدم الصدق دليلا على إرادة غير الصدق وهو غير الكذب أيضا لما ذكر ، فتم الدليل ، ولم يجعل عدم الاعتقاد للصدق دليلا على عدم وجود الصدق حتى يرد أن عدم اعتقاد الصدق لا يستلزم عدم وجوده ،
![مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح [ ج ١ ] مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2113_mavaheb-alfatah-fi-sharh-talkhis-almeftah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
