وإن عطفت عليه فلا يخلو أن تعطف عليه جملة أو مفردا. فإن عطفت عليه جملة ، فلا يخلو أن يكون الفاعل الأول هو الثاني أو خلافه. فإن كان خلافه ، فلا يخلو العطف من أن يكون بالواو أو بالفاء ، أو ب «ثمّ» أو بغير ذلك من حروف العطف. فإن كان بالواو ، فلا يخلو أن تقدرها بمعنى «مع» ، أو تجعلها مشتركة. فإن قدرتها بمعنى «مع» ، وكان الإخبار بالذي جاز الإخبار عن كلا الفاعلين من الجملتين اللتين تعطف إحداهما على الأخرى ، فقلت مخبرا عن «الذباب» من قولك : «يطير الذباب ويغضب زيد» : «الذي يطير ويغضب زيد الذباب». ففي «يطير» ضمير يعود على «الذي» ليربطه بصلته. فإن قيل : ينبغي أن لا تجوز هذه المسألة ، لأنك إذا جعلت «ويغضب» معطوفا على «يطير» فينبغي أن يكون فيه ضمير يعود أيضا على «الذباب» ، لأنّ المعطوف شريك المعطوف عليه.
فالجواب : إنّ الجملتين كالجملة الواحدة إذا كانت الواو بمعنى «مع». وكذلك إن أخبرت عن «زيد» ، وكان العطف بالواو التي بمعنى «مع» ، قلت : «الذي يطير الذباب ويغضب زيد» ، فجعلت في «يغضب» ضميرا يعود على «الذي» ، ولم تحتج الجملة الأولى أن يعود منها ضمير على «الذي» ، لأنّ الجملتين كالجملة الواحدة.
وإن كان العطف في هذه المسألة المتقدمة بالفاء ، فالحكم فيها كالحكم في الواو التي كانت بمعنى «مع» ، لأنّ الفاء إذ ذاك تربط السبب بالمسبب ، وجملة المسبب وجملة السبب كالجملة الواحدة ، لأنّ إحداهما تتوقف على الأخرى ، وأنت لو كان معك جملة واحدة ، لم تحتج فيها إلّا رابطا واحدا.
وإن كان غير ذلك من حروف العطف ، أو كان الواو التي ليست بمعنى «مع» ، فإنّ الاخبار في المسألة الأولى لا يجوز ، لأنّه يؤدي إلى خلو إحدى الجملتين من ضمير يعود على «الذي» وذلك لا يجوز.
وإن كان الإخبار بالألف واللام ، فالحكم كالحكم في «الذي» فيما تقدّم ، فتقول مخبرا بالألف واللام عن «الذباب» : «الطائر فيغضب زيد الذباب» ، ففي «الطائر» ضمير يعود على الألف واللام ، ولا يحتاج إلى ضمير يعود على الألف واللام من «يغضب» لما قدمنا.
فإن قيل : كيف تعطف «فيغضب» على «الطائر» والفعل لا يعطف على الاسم؟
فالجواب : إنّه قد يعطف الفعل على الاسم إذا كان اسم الفاعل. دليل ذلك قوله تعالى : (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً)(١).
فعطف «وأقرضوا» على «المصّدّقين والمصدّقات» لما كان بمعنى : تصدّقوا. وتقول
__________________
(١) سورة الحديد : ١٨.
