وتعسّف ابن الشجري فقال في الآية الأولى : إنها حذف منها مضاف وواو وجملتان
______________________________________________________
(مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى) وقال الشيخ بهاء الدين السبكي في شرح التلخيص : واعلم أن ما ذكروه في هذه الآية الكريمة يعني الآية الأخيرة لا يخلو عن نظر ؛ فإن أو في قوله تعالى : (أَوْ نَصارى) إما أن يقدر بعدها قول مقدر أو لا ، فإن قدر بأن يكون تقديره أو قالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى لم يصح ؛ لأن ذلك حينئذ موضع الواو لا أو ، ثم إنا ولو جعلنا أو بمعنى الواو وقدرنا قولا محذوفا يخرج عن اللف ، فإنه يصير الضمير الأول لليهود فقط ، وهذا ليس مرادهم قطعا ، ألا ترى قول الزمخشري : فلف القولين وإن لم نقدر قولا بعد أو فكيف ينسب إلى أهل الكتاب على الإطلاق هذا القول ، وهو بجملته غير صادر من أحد منهم ، بل مخالف لقول كل من الفريقين ، غير أنه إجمال وتفصيل باعتبار ذلك ، ويحتمل أن يقال في الآية الكريمة : إنها ليست من اللف والنشر في شيء ، وإن المراد نسبة هذا القول بجملته إلى كل من اليهود والنصارى بأن يكون جرد من قولي الفريقين قول كلي تضمنته مقالتهما ، فإن قول اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا يتضمن أن غير اليهود والنصارى لن يدخل الجنة ، وكذلك قول النصارى فنسب إلى كل من الفريقين : لن يدخل الجنة أحد ليس يهوديا ولا نصرانيا ، ثم إن قلنا : الاستثناء من النفي ليس إثباتا فلا حاجة بنا إلى الزيادة على ذلك.
وإن قلنا : إنه إثبات فوجهه أنهم لما كان مقصودهم الأعظم نفي دخول المسلمين الجنة ، وكان كل من فريقي النصارى واليهود أحقر عند الآخر من الانتصاب لمعارضته ، كان قول اليهود مثلا : لن يدخل الجنة إلا يهودي يتضمن نفي دخولها عن غير اليهودي والنصراني ، فأشير إليه بالنفي ويتضمن إثبات دخولها لأحد فريقي اليهود والنصارى ؛ لأن إثبات دخولها لأحد الفريقين عينا ، وهم اليهود مثلا إثبات لدخول أحد الفريقين مطلقا ؛ لأن الأخص يستلزم الأعم فقولهم : لن يدخل الجنة إلا يهودي يصدق أن ينسب به إليهم أنهم قالوا : لن يدخل الجنة إلا اليهود أو النصارى ؛ لأن من أثبت قيام زيد دون عمرو يصدق عليه أنه أثبت قيام أحد الرجلين ، لا يقال : فيلزم أن يحكى عنهم أنهم قالوا : لن يدخل الجنة إلا يهودي أو نصراني أو مسلم ؛ لأنا نقول : لما كان مقصودهم الأصلي هو نفي دخول المسلمين صرح بنفيه ، ولم يذكر الأعم الشامل ولما كان قول كل منهم لن يدخل الجنة إلا يهودي أكثر قبحا من قوله : لن يدخل الجنة إلا يهودي أو نصراني حكى من كلامهم الثاني ، الذي هو موجود في ضمن قولهم الأول ، بل هو أبلغ في الشناعة عليهم ؛ لأنه يتبين به انصباب غرضهم لاختصاص المسلمين بالإبعاد عن الجنة ، فليتأمل ما ذكرنا فإنه حسن دقيق هذا كلامه.
(وتعسف ابن الشجري فقال : في الآية الأولى : إنه حذف منها مضاف وواو وجملتان
![شرح الدماميني على المغني اللبيب [ ج ١ ] شرح الدماميني على المغني اللبيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2087_sharh-aldamamini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
