ومجيء الواو في التقسيم أجود لا يقتضي أن «أو» لا تأتي له ، بل إثباته الأكثرية للواو يقتضي ثبوته بقلّة لـ «أو» ، وقد صرح بثوبته في البيت الثاني ، وليس فيه دليل ، لاحتمال أن يكون المعنى لا بد من أحدهما ، فحذف المضاف كما قيل في : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) (٢٢) [الرحمن : ٢٢] وغيره عدل عن العبارتين ، فعبّر بالتفصيل ، ومثّله بقوله تعالى : (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى) [البقرة : ١٣٥] ، (قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) [البقرة : ١٣٥] ، إذ المعنى : وقالت اليهود كونوا هودا وقالت النّصارى كونوا نصارى ، وقال بعضهم : ساحر ، وقال بعضهم : مجنون ، فـ «أو» فيهما لتفصيل الإجمال في (قالُوا)
______________________________________________________
(ومجيء الواو في التقسيم أجود لا يقتضي أن أو لا تأتي ، بل يقتضي ثبوت ذلك غير أجود) ، وفي بعض النسخ : ومجيء الواو في التقسيم أكثر لا يقتضي أن أو لا تأتي له بل إثباته الأكثرية للواو يقتضي الثبوت في أو بقلة ، وكأن المصنف غير هذه لما فيها من المناقشة ، أما أولا فلأن ابن مالك لم يقل : إن استعمال الواو في التقسيم أكثر ، وإنما قال أجود ، وأما ثانيا فلأن إثبات الأكثرية للواو إنما يقتضي الثبوت في أو بكثرة لا بقلة كما ادعاه ، (وقد صرح) ابن مالك (بثبوته) أي : ثبوت التقسيم (في البيت الأخير) وهو فقالوا لنا ثنتان إلى آخره ، (وليس فيه دليل) على ما قاله من أن أو فيه للتقسيم ؛ (لاحتمال أن يكون المعنى : لا بد من إحداهما فحذف المضاف كما قيل في (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) (٢٢) [الرحمن : ٢٢]) أي : من أحدهما فإن ذلك إنما يخرج من البحر الملح لا من العذب ، وعلى هذا فلا يكون ما في البيت من قبيل التقسيم ، وإنما هو بيان لإحدى الخصلتين بأحد المتعاطفين بأو.
هذا وأنا لم أتحقق إلى الآن الفرق بين التقسيم والتفريق المجرد على وجه يكونان متباينين ، حتى إذا وجدنا مدلول التقسيم ثابتا في محل قلنا : يسوغ الإتيان بما شئت من الواو وأو ، لكن استعمال الواو أجود فتأمله.
(وغيره) أي : غير ابن مالك (عدل عن العبارتين) التقسيم والتفريق المجرد (فعبر بالتفصيل ، ومثله بقوله تعالى : (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى) [البقرة : ١٣٥] (قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) [الذاريات : ٥٢] ، إذا المعنى) في الآية الأولى (وقالت اليهود : كونوا هودا ، وقالت : النصارى : كونوا نصارى) ، والمعنى في الآية الثانية (وقال : بعضهم ساحر ، وقال : بعضهم مجنون فأو فيهما لتفصيل الإجمال في قالوا) وهذا هو الذي ذكر أهل البديع أنه أحد قسمي اللف والنشر ؛ وذلك لأن المتكلم تارة يذكر متعددا على التفصيل ، ثم ما لكل من آحاد هذا المتعدد من غير تعيين ثقة بأن السامع يرده إليه وهو ظاهر ، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل ، وتارة يذكر المتعدد على سبيل الإجمال ثم ما لكل إلخ ، ومثلوا لذلك بهذه الآية وبقوله تعالى : (وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا
![شرح الدماميني على المغني اللبيب [ ج ١ ] شرح الدماميني على المغني اللبيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2087_sharh-aldamamini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
