ويفصل بين «أمّا» وبين الفاء بواحد من أمور ستة :
______________________________________________________
فقد رأيت الشرط يفيد الانقسام ، وأن المشروط واقع على تقدير دون تقدير ، فإذا قلت : أما أنت فأحسن إليك كان وعدا مطلقا لا شرط فيه ، فإذا تأملت وجدته شرطا لفظيا والمعنى على الخبر الخالي عن الشرط ، فهو من باب تصرف العرب في الكلام ووضع بعضه موضع بعض.
(ويفصل بين أما والفاء بواحد من أمور ستة) لا بأكثر من واحد ؛ لأنهم لما التزموا حذف الشرط لما سيذكر لزم دخول حرف الشرط على فاء الجواب ، وذلك مستكره فدعت الضرورة إلى الفصل بينهما بشيء ما بعد الفاء ، وذلك حاصل بأن يكون الفاصل واحد لا أكثر ؛ لارتفاع الاستكراه بواحد ، وعلى هذا فيشكل ما وقع في «المدارك» في قوله تعالى : (فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) [الفجر : ١٥] حيث ادعى أن الظرف متعلق بيقول فلزم الفصل بالمبتدأ وبمعمول الفعل ، فإن قلت : فبماذا يتعلق الظرف حتى تنفصى عن عهد الفصل بأكثر من جزء واحد؟ قلت : بمحذوف تقديره فأما شأن الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ، وقد صرح بعضهم بأن نحو القصة والنبأ والحديث والخبر يجوز إعمالها في الظروف خاصة ، وإن لم يرد بها معنى مصدري كقوله تعالى : (وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ) [ص : ٢١] ، و (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ٢٤ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ) [الذاريات : ٢٤ ـ ٢٥] والسر في جواز الإعمال تضمن معانيها الحصول والكون ، وقد ذكر ابن الحاجب في وجه تقديم ما في حيز الفاء عليها كلاما حسنا نورده ههنا.
قال رحمهالله تعالى : والتزموا حذف الفعل بعدها لجريه على طريقة واحدة ، كما التزموا حذف متعلق الظرف إذا وقع خبرا ، مثل زيد في الدار ؛ لأن المعنى : مهما يكن من شيء أو يذكر من شيء ، والتزموا أن يقع بينها وبين جزأيها ما يكون كالعوض من الفعل المحذوف ، ثم اختلفوا فيما يتعلق به ذلك الواقع ، والصحيح أنه آخر الجملة الواقعة بعد الفاء قدم عليها لغرض العوضية ؛ وذلك لأن وضعها لتفصيل الأنواع وما ذكر بعدها أحد الأنواع المتعددة ، وذكره باعتبار ما يتعلق به من الجملة الواقعة بعد الفاء ، والغرض من التقديم الدلالة على أنه هو النوع المراد تفصيل جنسه ، وكان قياسه أن يقع مرفوعا على الابتداء ؛ لأن الغرض الحكم عليه بحسب ما بعد الفاء لكنهم خالفوا الابتداء ؛ إيذانا من أول الأمر بأن تفصيله باعتبار الصفة التي هو عليها في الجملة الواقعة بعد الفاء من كونه مفعولا به لا مصدرا ، أو غير ذلك ، ألا ترى أنك تفرق بين يوم الجمعة ضربت فيه ، وقولك : ضربت في يوم الجمعة ، وإن كان في الموضعين مضروبا فيه إلا أنه ذكر في الأول ليدل على أنه حكم عليه ، ولما كان الحكم بوقوع الضرب فيه علم أن الضرب واقع فيه ، وفي الثاني ذكر ؛ ليدل على أنه الذي وقع الضرب فيه من أول الأمر ، فلما
![شرح الدماميني على المغني اللبيب [ ج ١ ] شرح الدماميني على المغني اللبيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2087_sharh-aldamamini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
