وترامى البلاد بى والأقطار ، ونبوّ الأوطان عنى والأوطار ، حتى طفقت أجوب كل أغبر قاتم الأرجاء ، وأحرر كل سطر منه فى شطر من الغبراء ...
______________________________________________________
العاصفة المزيلة للهب النار ، كما أن النكبات مزيلة لانتشار الفطنة فى المدارك ، ولا يخفى ما فى جميع هذه الألفاظ ـ أى الجمود والصر والخمود والصرصر ـ من اللطافة ؛ لما فيه من مراعاة النظير ، وهو الجمع بين الشىء وما يناسبه لا بالتضاد ؛ لأن البرد يناسبه الجمود ؛ لأن به يحصل جمود الماء ، والريح العاصفة تناسب الخمود ؛ لأنها لشدتها تذهب النار ، وفى إضافة الجمود إلى القريحة والخمود إلى الفطنة ، المفضية إلى تشبيه طبيعته العقلية بالماء ، إشارة إلى جودتها واعتدالها بأخذها طرفى الحرارة والبرودة ، ولا يرد أن المقام للتّشكّى ، وهو لا يكون بما يحمد ؛ لأن الجودة باعتبار الأصل ، والتشكى باعتبار ما عرض من الجمود والخمود. (قوله : وترامى البلدان) أى : ومع ترامى ـ أى رمى ـ كل بلدة بى الأخرى ، ورمى البلد له : طرده إياه ، وهو كناية عن تكدر خاطره فى ضيق المعاش ، وعدم استقراره فى محل ؛ لتلبسه بالأسفار ، فهو لعدم وجود راحته فى تلك البلاد الخارج منها صار كأن كل بلدة تطرده للأخرى ، وفى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه البلدان والأقطار بعقلاء على طريق الاستعارة بالكناية ، وإثبات الترامى تخييل ، أو فى الكلام حذف مضاف ، أى : ترامى أهل البلدان ، والأقطار جمع قطر ، وهو مجموع بلاد كثيرة ، ولما كان لا يلزم من ترامى البلاد له ترامى الأقطار عطف الأقطار على البلدان.
(قوله : ونبو) أى ومع نبو ـ أى بعد ـ الأوطان عنى والأوطار ، أى ومع نبو الأوطار جمع وطر بمعنى الحاجة ، ومن لوازم ذلك القلق وعدم الفهم. وإنما بعدت أوطانه وأوطاره بسبب سفره المانع من نيلهما عادة. (قوله : حتى طفقت) غاية لنبو الأوطان ، وطفقت بمعنى : جعلت ، أى أنه لما بعدت عنى الأوطان انتهى بى الحال إلى أن جعلت أجوب أى : أقطع ، ويحتمل أن" حتى" تفريعية على و" ترامى" ... إلخ. (قوله : كل أغبر) أى : كل مكان أغبر أى : ذى غبرة. (قوله : قاتم الأرجاء) جمع رجا بالقصر بمعنى : الناحية ، أى مظلم النواحى بتلك الغبرة. (قوله : وأحرر) أى : أهذب وأخلص. (قوله : كل سطر منه) أى من هذا الشرح المختصر. (قوله : فى شطر من الغبراء) أى : فى قطعة من الأرض ، فالتحرير ليس
![حاشية الدسوقي [ ج ١ ] حاشية الدسوقي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2085_hashiate-aldasouqi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
