التأليف جزء يسير منها. فقد بان أن على كلا القولين لا حاجة بنا إلى ادعاء ما ادعاه ، مع وضوح بطلانه وعدم الشبهة فيه ، ثم يقال له : أليس التلاؤم معتبرا في تأليف حروف الكلمة المفردة على ما ذكرناه فيما تقدم؟ فلا بد من نعم ، فيقال له : فما عندك في تأليف كل لفظة من ألفاظ القرآن بانفراده؟ أهو متلائم في الطبقة العليا أم في الطبقة الوسطى؟ فإن قال : في الطبقة العليا ، قيل له : أو ليس هذه اللفظة قد تكلمت بها العرب قبل القرآن وبعده؟ ولو لا ذلك لم يكن القران عربيا ، ولا كانت العرب فهمته. فقد أقررت الآن أنّ في كلام العرب ما هو متلائم في الطبقة العليا ، وهو الألفاظ المفردة ، ولم يتوجه عليك في ذلك ما يفسد وجه إعجاز القرآن ، فهلّا قلت في كلامهم المؤلف من الألفاظ ما هو أيضا كذلك ، فإنّ علم الناظر بأحدهما كالعلم بالآخر. وإن قال : إن كل لفظة من ألفاظ القرآن متلائمة في الطبقة الوسطى ، قيل له أولا : إن مشاركة القرآن لطبقة ألفاظهم على هذا الوجه أيضا باقية ، ثم ما الفرق بينك وبين من ادعى أن التلاؤم بين ألفاظ القرآن في الطبقة الوسطى ، فإن أحد الموضعين كالآخر ، على أن اللفظة المفردة يظهر فيها التلاؤم ظهورا بيّنا بقلّة عدد حروفها واعتبار المخارج ، إذا كانت متباعدة كان تأليفها متلائما وإن تقاربت كان متنافرا ، ويلتمس ذلك بما يذهب إليه من اعتبار التوسط دون البعد الشديد والقرب المفرط ، فعلى القولين معا اعتبار التلاؤم مفهوم ، وليس ينازعنا في كلمة من كلم القرآن إذا أوضحنا له تأليفها ، ويقول : ليس هذا في الطبقة العليا ؛ إلا ونقول مثله في تأليف الألفاظ بعضها مع بعض ، لأن الدليل على الموضعين واحد ، فقد بان أن الذي يجب اعتماده أن التأليف على ضربين : متلائم ومتنافر وتأليف القرآن وفصيح كلام العرب من المتلائم ، ولا يقدح هذا في وجه من وجوه إعجاز القرآن ، والحمد لله.
وقد ذهب علي بن عيسى أيضا إلى أن التنافر أن تتقارب الحروف في المخارج أو تتباعد بعدا شديدا ، وحكى ذلك عن الخليل بن أحمد ، ويقال : إنه إذا بعد البعد الشديد كان بمنزلة الظفر ، وإذا قرب القرب الشديد كان بمنزلة مشي المقيد ، لأنه بمنزلة رفع اللسان ورده إلى مكانه وكلاهما صعب على اللسان ، والسهولة من ذلك في الإعتدال ،
