ولذلك وقع في الكلام الإدغام والإبدال ، والذي أذهب أنا إليه في هذا ما قدمت ذكره ، ولا أرى التنافر في بعد ما بين مخارج الحروف ، وإنما هو في القرب ، ويدل على صحة ذلك الاعتبار ، فإن هذه الكلمة ـ ألم ـ غير متنافرة ، وهي مع ذلك مبنية من حروف متباعدة المخارج ، لأن الهمزة من أقصى الحلق ، والميم من الشفتين ، واللام متوسطة بينهما ، وعلى مذهبه كان يجب أن يكون هذا التأليف متنافرا لأنه على غاية ما يمكن من البعد ، وكذلك ـ أم وأو ـ لأن الواو من أبعد الحروف من الهمزة ، وليس هذان المثلان مثل : عح ولا سز ، لما يوجد فيهما من التنافر لقرب ما بين الحرفين في كل كلمة ، ومتى اعتبرت جميع الأمثلة لم تر للبعد الشديد وجها في التنافر على ما ذكره ، فاما الإدغام والإبدال فشاهدان على أن التنافر في قرب الحروف دون بعدها ، لأنهما لا يكادان يردان في الكلام إلا فرارا من تقارب الحروف ، وهذا الذي يجب عندي اعتماده ، لأن التتبع والتأمل قاضيان بصحته ، وإذا ثبت ما ذكرناه فقد بان أن تكرر الحروف والكلام يذهب بشطر من الفصاحة ، وقد كان بعض العلماء بالشعر يعيب في قول أبي تمام :
|
كريم متى أمدحه أمدحه والورى |
|
معي ومتى ما لمته لمته وحدي (١) |
تكرر حروف الحلق ، على سلامة المعنى واختيار الألفاظ.
فأما قول أبي الطيب :
|
العارض الهتن ابن العارض الهتن اب |
|
ن العارض الهتن ابن العارض الهتن (٢) |
فمن أقبح ما يكون من التكرار وأشنعه ، وإذا كان يقبح تكرار الحروف المتقاربة المخارج فتكرار الكلمة بعينها أقبح وأشنع.
وأما قوله أيضا :
|
وأنت أبو الهيجا بن حمدان يا ابنه |
|
تشابه مولود كريم ووالد |
__________________
(١) «ديوان أبي تمام» ٢ / ١٠٩ من قصيدة في مدح أبي المغيث الرافقي.
(٢) هذا البيت من قصيدة له في مدح محمد بن عبد الله الخصيبي ، والعارض : السحاب ، والهتن : الكثير الصب ، يعني أنه جواد ابن أجواد. انظر «ديوان المتنبي» ص (١ / ٢١٦).
