فأما قول الآخر :
|
وقبر حرب بمكان قفر |
|
وليس قرب قبر حرب قبر (١) |
فمبني من حروف متقاربة ومكررة ، ولهذا يثقل النطق به ، حتى يزعم بعض الناس أنه من شعر الجن ، ويختبر المتكلم بإنشاده ثلاث مرات من غير غلط ولا توقف.
وكذلك قول الآخر :
|
لم يضرها والحمد لله شيء |
|
وانثنت نحو عزف نفس ذهول |
فإن المصراع الثاني من هذا البيت يثقل التلفظ به وسماعه ، لما فيه من تكرار حروف الحلق.
وقد ذهب أبو الحسن علي بن عيسى الرّمّاني (٢) إلى أن التأليف على ثلاثة أضراب : متنافر ، ومتلائم في الطبقة الوسطى ، ومتلائم في الطبقة العليا ، قال : والمتلائم في الطبقة الوسطى كقول الشاعر :
|
رمتني وستر الله بيني وبينها |
|
عشية آرام الكناس (٣) رميم |
|
ألا رب يوم لو رمتني رميتها |
|
ولكنّ عهدي بالنضال قديم |
قال : والمتلائم في الطبقة العليا القرآن كله ، وذلك بيّن لمن تأمله ، والفرق بينه وبين غيره من الكلام في تلاؤم الحروف على النحو من الفرق بين المتنافر والمتلائم
__________________
(١) زعم أن هذا البيت لبعض الجن ، وكان قد صاح على حرب بن أمية في فلاة فمات بها.
(٢) هو علي بن عيسى بن علي بن عبد الله ، أبو الحسن الرماني. باحث معتزلي مفسر. من كبار النحاة ، أصله من سامراء ، ولد ببغداد سنة ٢٩٦ هجرية وتوفي فيها سنة ٣٨٤ هجرية. وله نحو مئة مصنف منها : «الأكوان» و «المعلوم والمجهول» و «الأسماء والصفات» و «التفسير» وغيرها كثير.
(٣) هما لأبي حيية النميري. «الحيوان» ٣ / ٤٩ ، «الكامل» للمبرد ١٩ ، «المصون» للعسكري ٨ ، «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي ١٣١٤ ، والكناس : موضع في بلاد عبد الله بن كلاب ، ويقال له أيضا : رمل الكناس.
