فصاحة التراكيب :
ونبتدىء الآن بالقول في تأليف الكلام على ما قدمناه من أن القسم الثاني من الفصاحة صفات توجد في التأليف ، وبيانه أن يجتنب الناظم تكرر الحروف المتقاربة في تأليف الكلام ، كما أمرناه بتجنب ذلك في اللفظة الواحدة ، بل هذا في التأليف أقبح ، وذلك أن اللفظة المفردة لا يستمر فيها من تكرار الحرف الواحد أو تقارب الحرف مثل ما يستمر في الكلام المؤلف إذا طال واتسع.
وما زال أصحابنا يعجبون من البيت :
|
لو كنت كنت كتمت الحب كنت كما |
|
كنا نكون ولكن ذاك لم يكن |
وليس يحتاج إلى دليل على قبحه للتكرار أكثر من سماعه.
وقد روي أن أبا تمام لما أنشد أحمد بن أبي دؤاد قوله :
|
فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن |
|
يرضى المؤمّل منك إلّا بالرضى (١) |
قال له إسحاق بن إبراهيم الموصلي : لقد شققت على نفسك يا أبا تمام والشعر أسهل من هذا.
وكنت حاضرا عند شيخنا أبي العلاء ـ وقد قرئت عليه قصيدة لأبي الطيب ـ فلما وصل القارىء إلى هذا البيت :
|
ولا الضّعف حتى يبلغ الضعف ضعفه |
|
ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف(٢) |
قال : هذا والله شعر مدبّر (٣). وكان من العصبية لأبي الطيب على الصفة التي اشتهرت عنه.
__________________
(١) وقد جاء عجز البيت في الديوان ٢ / ٣٠٧ :
يرضى امرؤ يرجوك إلا بالرضى
(٢) «ديوان المتنبي» ص ١٥٢.
(٣) مدبر أي : مصنوع أو مفتعل.
