وقوله فيما بعد : إن أبا تمام قال :
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد (١)
لما رآهم قد استجازوا أن ينسبوا إليه الجور والميل ، وقالوا : قد أعرض عنا ، وأقبل على فلان وجفانا ، والميل والإعراض إنما يكون بانحراف الأخدع وازورار المنكب ، كلام لا يغني عن أبي تمام شيئا لأنا قد ذكرنا أن الاستعارة إذا بنيت على استعارة قبحت وبعدت ، والواجب أن تكون لها بلا واسطة ، وإذا كان الأمر على هذا وكان قولهم عن الدهر : قد أعرض عنا وأقبل على فلان ، استعارة ومجازا بغير شك ، لم يحسن أن نجريه مجرى الحقيقة ونبني عليه أمرا بعيدا ، حتى نجعل للدهر أخدعا لأجل قولهم : إنه قد أعرض عنا وانحرف.
ويقال للقاضي أبي الحسن : هل تجيز لبعض المحدثين أن يبني استعارة أخرى على الأخدع في الدهر لأن أبا تمام قد استعمل ذلك ، ويبني غيره على قول هذا المحدث استعارة أخرى بعيدة ، ويؤول هذا إلى ما لا نهاية له ، حتى يفسد الكلام ، وتختل العبارة ، ويذهب التمييز في الوجوه المحمودة والذميمة؟ فإن أجاز ذلك بان فساد قوله لكافة العقلاء ، وإن امتنع منه وقال : لا بد للاستعارة من حقيقة يرجع إليها ويكون بينهما شبه ظاهر وتعلق وكيد ، قيل له : فبهذا نخاطبك ، وله قطعنا على قبح استعارة أبي تمام للدهر أخدعا ، فأعرض الآن عن هذا التعليل منك بالباطل جانبا ، فإنه غير لائق بك وبمن يجري مجراك من أهل العلم بهذه الصناعة ، ثم ما الفرق بينك فيما ذكرته وبين من عذر القائل :
باض الهوى في فؤادي وفرّخ التذكار
وقال : لما كانت العادة جارية في الهوى أن يقال : حل في الفؤاد وأقام وليس بزائل
__________________
(١) سبق تخريجه ص ١٢٠.
