ولا ذاهب ، وكان الطائر ذو البيض أو الفراخ شديد المقام على وكره والإلف له والحنين إليه ، ترخص بأن استعار للهوى ـ باض ـ وللتذكار ـ فرّخ ـ كناية عن مقامهما وثباتهما في فؤاده ، وتشبيها بما ذكرناه من حال الطائر ، فإن ادعى صحة هذا التخريج وألحقه بما ذكره في بيت أبي تمام وجب الإمساك عنه ، وإن أفصح بخلافه للعلة التي بيناها فهي موجودة في الأبيات التي ذكرها ، على أنه قال في آخر كلامه : إن هذه أمور لا تحمل على التحقيق ، ولا يتبع فيها الرخص ، ثم حملها على أشد الرخص إحالة وفسادا.
ومن التوسط الذي حمده وأشار إليه ألا يتعدى في الاستعارة حدها ، ولا يعدل بها عن منهجها.
فأمّا قول أبي الطيب :
|
وقد ذقت حلواء البنين على الصبا |
|
فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل (١) |
فقد كان الصاحب كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد أنكره على أبي الطيب ، وذكره في جملة المساوي من شعره ، والأمر فيه على ما قاله ، وهو من رديء الاستعارة ، وأرى أن الزائد في قبحه قوله : حلواء ؛ لأن المستعمل في هذا الفن حلاوة ، وتلك اللغة في العرف مفردة لأمر آخر حقيقي هي غير مستعارة فيه.
وأما قول أبي تمام :
|
وكم أحرزت منكم على قبح قدّها |
|
صروف النّوى من مرهف حسن القدّ (٢) |
فإن استعارة القد لصرف النوى من أبعد ما يقع في هذا الباب وأقبحه ، وإنما يقود أبا تمام إلى هذا وأمثاله رغبته في الصنعة ، حتى كأنه يعتقد أن الحسن في الشعر مقصور
__________________
(١) هذا البيت من قصيدة له في رثاء ولد لسيف الدولة ، والحلواء : الحلاوة.
(٢) «ديوان أبي تمام» ٢ / ١١٠. أي كم فرّق بيني وبين حبائب لي صروف الدهر. على قبح قدّها : أي على قبح صورتها.
