الاستعارة
ومن وضع الألفاظ في موضعها حسن الاستعارة ، وقد حدها أبو الحسن على بن عيسى الرماني فقال : هي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة.
وتفسير هذه الجملة أن قوله عزوجل : (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) [مريم : ٤] استعارة لأن الاشتعال للنار ، ولم يوضع في أصل اللغة للشيب ، فلما نقل إليه بأن المعنى لما اكتسبه من التشبيه ، لأن الشيب لما كان يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئا فشيئا حتى يحيله إلى غير لونه الأول ، كان بمنزلة النار التي تشتعل في الخشب وتسري حتى تحيله إلى غير حاله المتقدمة ، فهذا هو نقل العبارة عن الحقيقة في الوضع للبيان ، ولا بد من أن تكون أوضح من الحقيقة لأجل التشبيه العارض فيها ، لأنّ الحقيقة لو قامت مقامها كانت أولى ، لأنّها الأصل والإستعارة الفرع ، وليس يخفى على المتأمل أن قوله عز اسمه : (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) أبلغ من : كثر شيب الرأس ، وهو حقيقة هذا المعنى. وقول امرىء القيس : قيد الأوابد ، أبلغ من : مانع الأوابد عن جريها ، والأصل في ذلك ما أفاده التشبيه في الاستعارة من البيان.
فإن قال قائل : فما الفرق بين الإستعارة والتشبيه إذا كان الأمر على ما ذكرتم؟ قيل : الفرق بينهما ما ذكره أبو الحسن ، وهو أن التشبيه على أصله لم يغير عنه في الاستعارة ، وليس كذلك الاستعارة ، لأن مخرج الاستعارة مخرج ما ليست العبارة له في أصل اللغة ، على أن الرماني قال في كلامه : إن التشبيه في الكلام بأداة التشبيه ، وهو يعني ـ كأن والكاف وما جرى مجراهما ـ وليس يقع الفرق عندي بين التشبيه والاستعارة بأداة التشبيه فقط ، لأن التشبيه قد يرد بغير الألفاظ الموضوعة له ويكون حسنا مختارا ، ولا يعده أحد في جملة الاستعارة لخلوه من آلة التشبيه ، ومن هذا قول الشاعر :
|
سفرن بدورا وانتقبن أهلّة |
|
ومسن غصونا والتفتن جآ ذرا (١) |
__________________
(١) هو لأبي القاسم الزاهي ، وإنما شبههن بالأهلّة عند لبس النقاب لظهور حواجبهن مقوسات فوقه ، والجآذر : أولاد البقر الوحشي.
