وقول الآخر :
|
وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت |
|
وردا وعضّت على العناب بالبرد (١) |
وكلاهما تشبيه محض وليس باستعارة ، وإن لم يكن فيهما لفظ من ألفاظ التشبيه ، وإنما الفرق بين الاستعارة والتشبيه ما حكيناه أولا.
ولا بد للاستعارة من حقيقة هي أصلها : وهي مستعار ، ومستعار منه ، ومستعار له ، فالمستعار لفظ الاشتعال فيما مثلنا به ، والنار مستعار منه ، والشيب مستعار له ، ولها تأثير في الفصاحة ظاهر وعلقة وكيدة ، والبعيد منها يقضي باطّراح الكلام ، ويذهب طلاوته ورونقه ، ولأجل هذا أحتاج إلى إيضاحها ووصف ما يحسن منها ويقبح ، والإكثار من الأمثلة التي تدل على ما أريده.
وهي على ضربين : قريب مختار ، وبعيد مطّرح ، فالقريب المختار ما كان بينه وبين ما استعير له تناسب قوي وشبه واضح ، والبعيد المطّرح إما أن يكون لبعده مما استعير له في الأصل ، أو لأجل أنه استعارة مبنية على استعارة فتضعف لذلك ، والقسمان معا يشملها وصفي بالبعد ، لكن هذا التفصيل يوضح ، إذا ذكرت الأمثلة ، بأن القريب في الاستعارة من البعيد ، وعرف المرضي منها والمكروه ، وتنزلت الوسائط بينهما بحسب النسبة إلى الطرفين.
وهذا الفن قد أورده المحدثون كثيرا ، وإن كان المتقدمون بدأوا به ، وممن أكثر استعماله أبو تمام حبيب بن أوس ، فأورد منه في شعره الجيد المحمود ، والرديء الذي هو الغاية في القبح ، وسأذكر في شعره خاصة ما يستدل به على ذلك ، وقد خرج علي بن عيسى ما ورد في القرآن من الاستعارة ، فكان من ذلك قوله تعالى : (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) [الفرقان : ٢٣].
لأن حقيقته ـ عمدنا ـ لكن (قدمنا) أبلغ لأنه يدل على أنّه عاملهم معاملة القادم يقدم
__________________
(١) هو للوأواء الدمشقي ، في «ديوانه» ٨٤ ، «العمدة» ١ / ٢٠٠ ، «دلائل الإعجاز» ٢٨١ ، «حماسة ابن الشجري» ٥٦٥ ، «شرح مقامات الحريري» للشريشي ١ / ٥٠ ، «نهاية الأرب» ٢ / ٢٣٤ ، شبه الدمع باللؤلؤ ، والعين بالنرجس ، والخد بالورد ، والأنامل بالعناب ، والسن بالبرد.
