|
حتى خضبت بما تحدّر من دمي |
|
أكناف سرجي أو عنان لجامي |
فكيف يكون لم يصب وقد خضب هذا بدمه؟ فأما قولهم : إنه أراد من دمي أي : من دم قومي وبني عمي ؛ فمبالغة منهم في التعسف والعدول عن وجه الكلام ، ليستمر لهم أن يكون فاسدا غير صحيح ، وهذا الذي ذكره أبو العلاء وسبق إليه له وجه يجب تقبله واتباعه فيه ، وفحوى كلام قطري يدل على أنه أراد أنه جرح ولم يمت إعلاما أن الإقدام غير علة في الحمام ، وحثا على الشجاعة ونهيا عن الفرار.
ومن طريف التفسير للشعر أن يتأول ليقع الفساد فيه ، ولو حمل على ظاهره كان صوابا صحيحا ، وما أعرف من حمل كافة المفسرين قول الفرزدق :
|
إن الذي سمك السماء بنى لنا |
|
بيتا دعائمه أعزّ وأطول (١) |
على وجهين : أحدهما : أن يكون أعز وأطول بمعنى عزيزة طويلة ، والثاني : أعز وأطول من بيتك يا جرير ، فيتعسّفون في التأويل ، ومراد الشاعر أوضح من أن يخفى ، وأشهر من أن يجهل وهو أعز وأطول من السماء التي ذكرها في أول البيت ، وإنما جاء بها لهذا الغرض ، وهذا مبالغة في الشعر معروفة مستعملة ، وليست بالمكروهة ولا الغريبة.
__________________
(١) «ديوان الفرزدق» ٤١٧ ، «شرح المفصل» ٦ / ٩٧ ، ٩٩ ، «خزانة الأدب» ٣ / ٤٨٦ ، «شرح شواهد شروح الألفية» للعيني ٤ / ٤٣ ، «معاهد التنصيص» ٢ / ٣٧ ، «شرح الأشموني» ٣ / ٥١.
