وهذا الذي أنكرناه من تكرار الألفاظ فن قد أولع به الشعراء والكتاب من أهل زماننا هذا ، حتى لا يكاد الواحد منهم يغفل عن كلمة واحدة فلا يعيدها في نظمه أو نثره ، ومتى اعتبرت كلامهم وجدته على هذه الصفة ، وما أعرف شيئا يقدح في الفصاحة ويغض من طلاوتها أظهر من التكرار لمن يؤثر تجنبه ، وصيانة نسجه عنه ، إذ كان لا يحتاج الى كبير تأمل ، ولا دقيق نظر ، وقلما يخلو واحد من الشعراء المجيدين أو الكتاب من استعمال ألفاظ يديرها في شعره ، حتى لا يخلّ في بعض قصائده بها ، فربما كانت تلك الألفاظ مختارة ، يسهل الأمر في إعادتها وتكريرها ، إذا لم تقع إلا موقعها ، وربما كانت على خلاف ذلك.
وقد كان أبو الحسن مهيار بن مرزويه (١) ممن غري بلفظة طين وطينة ، فما وجدت له قصيدة تخلو من ذلك إلا اليسير ، حتى وضع هذه اللفظة تارة في غير موضعها ، ومستعارة لما لا يليق بها ، وأقرها مقرها في بعض الأماكن ، ووافق بينها وبين ما ألفت معها ، وذلك موجود في شعره لمن يتتبعه ، فهذا وإن لم يكن محمودا عندي ، فهو أصلح من التكرار في القصيدة الواحدة أو البيت الواحد.
فأما قول بعضهم :
|
ولو لا دموعي كتمت الهوى |
|
ولو لا الهوى لم تكن لي دموع |
فليس من التكرار المكروه ، لما قدمته في بيت أبي الطيب (٢) وذلك أن المعنى
__________________
(١) هو مهيار بن مرزويه ، أبو الحسن (أو أبو الحسين) الديلمي ؛ شاعر كبير ، في أسلوبه قوة ، وفي معانيه ابتكار. جمع بين فصاحة العرب ومعاني العجم.
ولد في الديلم جنوب جيلان على بحر قزوين ، كان مجوسيا وأسلم ، واستخدم في بغداد للترجمة عن الفارسية ، أسلم سنة ٣٩٤ هجرية على يد الشريف الرضي ، وعليه تخرج في الشعر والأدب ، له ديوان شعر من أربعة أجزاء ، وتوفي سنة ٤٢٨ ه.
(٢) يعني قوله :
|
وحمدان حمدون وحمدون حارث |
|
وحارت لقمان ولقمان راشد |
