مبني عليه ، ومقصور على إعادة اللفظ بعينه ، وهذا حد يجب أن تراعيه في التكرار ، فمتى وجدت المعنى عليه ولا يتم إلا به لم تحكم بقبحه ، وما خالف ذلك قضيت عليه بالاطراح ، ونسبته إلى سوء الصناعة.
وقال أبو الفتح ابن جني (١) : قلت لأبي الطيب المتنبي : إنك تكرر في شعرك ـ ذا ، وذي ـ كثيرا ، ففكر ساعة ثم قال : إن هذا الشعر لم يعمل كله في وقت واحد ، فقلت : صدقت ، إلا أن المادة واحدة ، فأمسك.
وأما القسم الثاني من الثمانية المذكورة أولا ، وهو أن تجد للفظة في السمع حسنا ومزية على غيرها ، لا من أجل تباعد الحروف فقط ، بل لأمر يقع في التأليف ، ويعرض في المزاج ، كما يتفق في بعض النقوش على ما بيناه فيما تقدم ، فإن هذا إنما يكون في التأليف إذا ترادفت الكلمات المختارة ، فيوجد الحسن فيه أكثر ، وتزيد طلاوته على ما لا يجمع من تلك الكلمات إلا القليل ، وهذا لعمري إنما يرجع إلى اللفظة بانفرادها ، وليس للتأليف فيه إلا ما أثاره التواتر والترادف.
وكذلك الثالث والرابع من الأقسام ، وهما أن تكون الكلمة غير وحشية ولا عامية ، لأن هذين القسمين أيضا لا علقة للتأليف بهما ، وأنما يقبح إذا كثر فيه الكلام الوحشي أو العامي ، على حد ما يحسن إذا كثر فيه الكلام المختار ، فهو يرجع إلى اللفظة المفردة كما قلناه. وعلقة التأليف ما قدمناه من حكم الإسهاب في إيراد المحمود والمذموم ، إلا أن يتفق لفظة لم تبتذلها العامة بانفرادها ، وإنما تستعملها مضافة إلى غيرها ، فيكون التأليف على هذا الغرض عاميا ، يحكم ما أفادته الإضافة لتلك اللفظة ، وإذا اتفق هذا وجب تجنبها مضافة ، والاحتراز من الصيغة التي تعرض فيها الوجوه المذمومة.
وأما الخامس : وهو أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح فللتأليف بهذا
__________________
(١) «الفسر شرح ديوان المتنبي» لابن جني ١ / ١٠٨ وانظر «الوساطة» للقاضي الجرجاني : ٩٥. و «يتيمة الدهر» للثعالبي ١ / ١٧٩.
