فالجواب عن هذا أيضا كالجواب عما قبله ، لأن اللغات كلها لا تحمل على لغة بلحارث عن قلتها وشذوذها.
ومنها أيضا قولهم قام الزيدون ، فلحاق النون هنا ولا ألف قبلها يفسد أن تكون دخلت فرقا بين رفع الاثنين ونصب الواحد.
فإن قال : إنها في الجمع أيضا إنما دخلت فرقا بين رفع الجمع ورفع الواحد في لغة من قال (١) : هذا زيدو ، ومررت بزيدي ، كما يقول الجميع في الوقف على المنصوب المنون : رأيت زيدا.
عاد الكلام إلى ما كنا قدمناه من ضعف حمل الشيء على غيره مع وجود العلة القائمة فيه. ومنه أنه إن جاز للفراء أن يذهب إلى أن نون التثنية إنما لحقت فرقا بين رفع الاثنين ونصب الواحد ، وأن يحتج في دخولها مع اللام في نحو قولك الرجلان والغلامان بأن من العرب من يقول : رأيت الرجلا والغلاما ، جاز لآخر أن يفسد عليه دخولها في ما لا لام فيه ولا هو مضاف نحو : عندي رجلان وغلامان ، بأن يقول : هذا فاسد من قول الفراء ، لأن من العرب من يقف على المنصوب المنون بلا ألف ، فيقول : ضربت زيد ، وكلمت محمد ، كما يقف على المرفوع بلا واو ، وعلى المجرور بلا ياء ، فيقول : هذا جعفر ، ومررت بجعفر ، وحدثنا أبو علي أن أبا عبيدة حكى عنهم (٢) : ضربت فرج.
وأنشد للأعشى (٣) :
|
إلى المرء قيس أطيل السّرى |
|
وآخذ من كل حيّ عصم (٤) |
ولم يقل عصما.
__________________
(١) هذه لغة أزد السراة ، حكاها أبو الخطاب كما في الكتاب (٢ / ٢٨١).
(٢) ولم يحك سيبويه هذه اللغة ، لكن حكاها الجماعة : أبو الحسن ، وأبو عبيدة ، وقطرب ، وأكثر الكوفيين ، الخصائص (٢ / ٩٧).
(٣) ذكرنا قبل ذلك أنه : أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل.
(٤) البيت للأعشى في ديوانه (ص ٨٧) وهو من قصيدة يمدح فيها قيس بن معد كرب. السّري : سير عامة الليل ، والمقصود بقوله أطيل السّرى أي أطيل سير الليل إلى قيس. الشاهد فيه قوله (عصم) ولم يقل عصما بالنصب على المفعولية.
![سرّ صناعة الإعراب [ ج ٢ ] سرّ صناعة الإعراب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2074_ser-senaat-erab-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
