هكذا ، ونحوهما ميزان وميعاد وميقات ، كل هذه من الواو في وزن ووقت ووعد ، وكذلك قولا موسر وموقن ، وأصلهما ميسر وميقن ، فكرهوا الياء بعد الضمة ، فأبدلوها واوا ، وكذلك إن انكسر ما قبل الألف أو انضمّ قلبت للكسرة ياء ، وللضمة واوا ، وذلك الياء في قراطيس (١) ، إنما هي بدل من ألف قرطاس ، والواو في ضويرب إنما هي بدل من الألف في ضارب. وإنما قلبت هذه الحروف بعد هذه الحركات ، لأنّك إذا بدأت بالكسرة فقد جئت ببعض الياء ، وآذنت (٢) بتمامها ، فإذا تراجعت عنها إلى الواو فقد نقضت أوّل قولك بآخره (٣) ، وخالفت بين طرفيه ، وكذلك إذا بدأت بالضمة ثم جئت بعدها بالياء ، فقد جئت بأمر غيره المتوقّع ، لأنّك لمّا جئت بالضمة توقّعت الواو ، فإذا عدلت إلى الياء فقد ناقضت (٤) بآخر لفظك أوّله ، إلا أنّ ذلك وإن كان مستثقلا فليس بمستحيل في الطاقة والطّوع ، كاستحالة مجيء الألف بعد الكسرة أو الضمة.
فإن قلت : فما بالك تقول الغير والعيبة والطّول والعوض فتأتي بالياء بعد الضمة ، وبالواو بعد الكسرة؟
فالجواب أنّه جاز ذلك من قبل أنّ الياء والواو لمّا تحرّكتا قويتا بالحركة ، فلحقتا بالحروف الصّحاح ، فجازت مخالفة ما قبلهما من الحركات إيّاهما ، وكذلك قولهم اجلوّذ (٥) اجلوّاذا ، واخروّط اخروّاطا ، فتصحّ الواو الأولى في اجلوّاذ واخروّاط ، من قبل أنها لمّا أدغمت في التي بعدها قويت ، وضارعت (٦) الحروف الصّحاح ، فجاز ثباتها مع انكسار ما قبلها ، وكذلك قالوا : قرن ألوى (٧) ، وقرون ليّ ، فصحّحوا
__________________
(١) قراطيس : مفرد قرطاس ـ معروف يتخذ من برديّ يكون بمصر ـ لسان العرب (٥ / ٣٥٩٢) ، مادة (ق. ر. ط. س).
(٢) آذنت : أعلمت وأنذرت. لسان العرب (١ / ٥١). مادة (أ. ذ. ن).
(٣) فقد نقضت أول قولك بآخره : أسلوب توكيد يعطي قوة في التأكيد على فكرة استحالة أن تأتي الياء بعد الضمة.
(٤) ناقضت : أفسدت بعد إحكام. لسان العرب (٦ / ٤٥٢٤). مادة (ن. ق. ض).
(٥) اجلوذ : مضى وأسرع ، وامتد ودام. لسان العرب (١ / ٦٥٦) مادة (جلذ).
(٦) ضارعت : شابهت. لسان العرب (٤ / ٢٥٨١). مادة (ض. ر. ع).
(٧) قرن ألوى : معوج ، والجمع : لي ، بضم اللام ، على غير القياس. لسان العرب (٥ / ٤١٠٧)
![سرّ صناعة الإعراب [ ج ١ ] سرّ صناعة الإعراب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2072_ser-senaat-erab-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
