فأما قوله : «ولن ينهى ذوي شطط كالطّعن» فلو حملته على إقامة الصفة مقام الموصوف ، لكان أقبح من تأوّل (١) قوله عز اسمه (وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها) على حذف الموصوف ، لأن الكاف في بيت الأعشى هي الفاعلة في المعنى ، و «دانية» في هذا القول إنما هي مفعول به ، والمفعول قد يكون غير اسم صريح ، نحو : ظننت زيدا يقوم ، وحسبت محمدا يفعل ، والفاعل لا يكون إلا اسما صريحا محضا ، وهم على إمحاضه اسما أشدّ محافظة من جميع الأسماء ، ألا ترى أن المبتدأ قد يقع غير اسم محض ، وهو قولهم «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» ، فتسمع ، كما ترى فعل ، وتقديره : أن تسمع ، فحذفهم «أن» ورفعهم تسمع ، يدل على أن المبتدأ قد يمكن أن يكون عندهم غير اسم صريح. وإذا جاز هذا في المبتدأ على قوة شبهه بالفاعل ، فهو في المفعول الذي يبعد عنهما أجوز ، فمن أجل ذلك ارتفع الفعل في قول طرفة (٢) :
ألا أيّهذا الزاجري أحضر الوغى (٣)
__________________
(١) تأول : تأول الكلام أي فسره. مادة (أول) اللسان (١ / ١٧٢).
(٢) طرفة : هو طرفة بن العبد ، أحد أصحاب المعلقات ، وأحد فحول الشعراء الجاهليين.
(٣) شطر البيت لطرفة بن العبد ساقه في معلقته الشهيرة والتي تبدأ بقوله :
|
لخولة أطلال ببرقة ثهمد |
|
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد |
البيت تكملته كالآتي :
|
ألا بهذا اللائمي أحضر الوغى |
|
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي |
حيث جاء اللائمي مكان الزاجري. اللائمي : لام ـ يلوم ـ لوما أي عذله ، فهو لائم ولوام. مادة (ل وم) اللسان (٥ / ١٠٠٤). الزاجري : زجر ـ يزجر. أي كفه ، وزجر فلانا : أي منعه ونهاه. الوغى : أصله صوت الأبطال في الحرب ثم جعل اسما للحرب لما فيها من الصوت والجلبة. اللذات : (م) لذة وهي إحدى الظواهر الوجدانية الأساسية. تتميز بالإحساس بالراحة ، وتقابل الألم وهي ضربان : حسية ومعنوية. مخلدي : الخلود : البقاء. خلد : خلدا وخلودا أي دام وبقي. اللسان (٢ / ١٢٢٥). يقول طرفة : ألا أيها الإنسان الذي يلومني على حضوري الحرب وحضور اللذات هل تخلدني إن كففت عنها ، والاستفهام غرضه التوبيخ. الشاهد فيه : نصب أحضر بأن ، وهذا أكده الكوفيون ، أما البصريون فأنكروا أن تعمل أن المحذوفة.
![سرّ صناعة الإعراب [ ج ١ ] سرّ صناعة الإعراب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2072_ser-senaat-erab-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
