واعلم أن «إذا» هذه التي ذكرناها لا يجوز وقوع الفعل بعدها : وذلك أن ما بعدها مرفوع بالابتداء ، وهي خبر عنه ، فكما أن المبتدأ لا يكون إلا اسما ، فكذلك «إذا» هذه لا يكون ما بعدها إلا اسما ، ومن ذلك قولهم : حسبته شتمني فأثب عليه ، ليست الفاء هنا عاطفة على الفعل الذي قبلها ، ولكن معناها الإتباع ألا ترى أن معنى الكلام : إن شتمني وثبت عليه. ومن ذلك قول الرجل لصاحبه : دعوتك أمس فلم تجبني ، فيقول له صاحبه ، فقد أجبتك اليوم ، فدخول الفاء هنا يدل على أنه قد أجابه عن كلامه. ولو قال له : قد أجبتك اليوم ، لكان آخذا في كلام منه على غير وجه الجواب وتعليق الثاني بالأول.
ومن ذلك قوله ، وهو من أبيات الكتاب (١) :
|
فقلنا أسلموا إنا أخوكم |
|
فقد برئت من الإحن الصّدور (٢) |
فجعل الإسلام مسبّبا عن براءة صدورهم من الإحن ، وهي العدوات ، إلا أنه قدّم في اللفظ المسبّب على السّبب ، لأن معناه : قد برئت من الإحن الصدور ، فأسلموا من أجل ذلك ، إلا أن الفاء عقدت الأوّل بالآخر ، وجرى هذا الكلام مجرى : اشكرني فقد أحسنت إليك ، فالإحسان وإن كان مؤخرا في اللفظ ، فهو مقدم في المعنى ، لأنه هو سبب الشكر ، فينبغي أن يتقدمه في الرتبة ، فكأنه قال : قد أحسنت إليك فاشكرني.
__________________
(١) الكتاب : يقصد كتاب سيبويه في النحو.
(٢) البيت لعباس بن مرداس السلمي الصحابي. أسلموا : ادخلوا في السلم. والإحن : جمع إحنة وهي الحقد والعداوة. مادة (أح ن) اللسان (١ / ٣٥). شرح البيت : يقول ادخلوا في السلم فنحن إخوانكم وقد برئت صدورنا من الأحقاد. الشاهد في قوله : قد برئت من الإحن الصدور ـ فالفاء هنا للإتباع. إعراب الشاهد :الفاء : للإتباع. قد : حرف تحقيق وتأكيد مبني. برئت : فعل ماضي مبني على الفتح ، والتاء للتأنيث. من الإحن : جار ومجرور. الصدور : فاعل مرفوع.
![سرّ صناعة الإعراب [ ج ١ ] سرّ صناعة الإعراب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2072_ser-senaat-erab-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
