قلتُ : فرق بين الرواية والفتوىٰ؛ إذ الرواية بوجودها الأوَّلي موضوع للحكم ، فوجودها مساوق لبقائها ، فحقيقة وجودها عبارة عن تحقُّق ألفاظها وانعدامها ، فبعد تحقّق ذلك هي موجودة بهذا المعنى أبداً. بخلاف الفتوىٰ ، فإنّه كما قدَّمنا ، معتبر فيها الرأي والاعتقاد وملاحظة جهات الأدلَّة؛ فإنّه لو زال ـ بالزوال المحمولي ـ بجنون أو هرم أو مرض لم يجز قطعاً.
ولعلَّك تقول : الموضوع في المجتهد قوله ، كما في الرواية.
لكنك الخبير بأن دليل حجِّية قول المجتهد لا يساعد ، إذ لا عبرة بألفاظه ، بل بالاعتقاد والظن. هذا كله في التقليد الابتدائي ، وأما لو قلِّد حياً ثم مات ، فقد تمسَّك بعض في صحَّة البقاء علىٰ تقليده ، باستصحاب الأحكام الّتي قلَّده فيها.
والّذي يظهر لي في تقريبه أن المستصحب هو نفس الحكم الّذي هو جواز التقليد ، وهو باق بناءً علىٰ عدم احتياج الباقي في البقاء إلىٰ بقاء علَّته ، مع عدم العلم بعروض المزيل.
وظنُّ المجتهد ورأيه عند أهل العرف من أسباب العروض لا من مقوِّمات الموضوع. وذلك واضح بناءً علىٰ ما هو المعروف بينهم من السببيَّة والموضوعيَّة ، وجعل مثل ما أدَّت إليه الأمارات من الأحكام الواقعيّة في الظاهر. فالحكم كان ثابتاً في حال الحياة ، فيشكُّ في ارتفاعه بالموت فيستصحب.
