والأصل في المشفشف المشفّف لأنه من «شفّته الغيرة ، وشفّه الحزن» إلا أنه استثقل اجتماع ثلاث فاءات ، فأبدل من الوسطى شينا ، وقال الآخر ، وهو الأعشى :
|
[٤٩٠] وتبرد برد رداء العرو |
|
س بالصّيف رقرقت فيه العبيرا |
______________________________________________________
الفاعل ، ومعناه المنقر والمفتش عن المساوي. هذا كلام شارح النقائض بحروفه. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله «المشفشف» فإن الكوفيين زعموا في هذه الكلمة ونظائرها أن أصلها المشفف ـ بثلاث فاءات ـ فأبدلوا من الفاء الثانية حرفا من جنس فاء الكلمة ـ وهي الشين ـ فصار المشفشف ، فهذه الشين لام أولى للكلمة لأنها بدل من لامها الأولى ، وعلى هذا يكون المشفشف على وزن المفعلل ، والذي يدلّ على ذلك الاشتقاق ، فإنّا رأينا العرب يقولون : شف جسم فلان ؛ إذا هزل ونحل من الوجد والهم ، وقالوا : شفه الوجد والهم يشفه ـ من مثال مده يمده ـ إذا أضعفه وهزله ، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي :
|
فهن عكوف كنوح الكري |
|
م قد شف أكبادهن الهوى |
ثم رأيناهم يقولون في هذا المعنى نفسه : شفشفه الهم والحزن ، فعلمنا أنهم أرادوا أن يضعفوا العين على مثال قطع وهذب ، فاجتمع عندهم ثلاث فاءات ، وهم يكرهون اجتماع ثلاثة أمثال ، ففروا من ذلك إلى إبدال الثانية حرفا آخر ، ووجدوا أن أحسن ما يفعلون أن يبدلوه حرفا من جنس فاء الكلمة.
[٤٩٠] هذا هو البيت الثامن عشر من قصيدة للأعشى ميمون بن قيس (الديوان ٦٧ ـ ٧٢) ومطلعها قوله :
|
غشيت لليلى بليل خدورا |
|
وطالبتها ونذرت النذورا |
وقد أنشد البيت ابن منظور (ر ق ق) والزمخشري في أساس البلاغة (ر ق ق) ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله «رقرقت» فإن الكوفيين يزعمون أن أصل هذا الفعل رققت بثلاث قافات ، لأنه في الأصل رقّ بقافين ، من قولهم رقّ الثوب يرقّ ، وقالوا :
أرقه ، كما قالوا : أمده ، وقالوا : رققه ، كما قالوا : مدده ، والرق ـ بكسر الراء وتشديد القاف ـ نبات له عود وشوك وورق أبيض ، وقالوا : رقرقت الثوب بالطيب ، يريدون أجريت الطيب فيه ، وأصله رققت بثلاث قافات ، فلما استثقلوا اجتماع الأمثال أبدلوا من ثانيها حرفا من جنس فاء الكلمة ، على مثال ما ذكرنا في شرح الشاهد السابق ، ولو تأملت في هذا البيت وجدت الاشتقاق مستصعبا في هذا البيت أكثر من استصعابه في البيت السابق ، فيمكن أن يقال : إن تقارب كلمتين في اللفظ وفي المعنى لا يدل على أن إحداهما أصل للأخرى ، حتى إنه لا يكفي أن يتقارب اللفظان ويتحد المعنيان ، بل لا بدّ من أشياء وراء ذلك من الاشتقاق ومن الاستعمال ، وكيف يكون تقارب اللفظين وتقارب المعنيين دليلا على أن إحدى الكلمتين أصل للأخرى وفي اللغة العربية المترادف والمشترك؟
