فهو من ضرورة الشعر التي لا يجوز استعمالها في اختيار الكلام.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم : «إن الكاف والهاء والياء ها هنا هي التي تكون في حالة الاتصال» قلنا : لا نسلم ؛ فإنها وإن كانت مثلها في اللفظ إلا أنها تخالفها ؛ لأن الكاف والهاء والياء هاهنا حروف وهناك أسماء ، وصار هذا كالتاء في «أنت» فإنها في اللفظ مثل التاء في «قمت» وإن كانت التاء في «أنت» حرفا والتاء في «قمت» اسما ، وكما لا يجوز أن يقال إن التاء في «أنت» اسم ؛ لأنها مثل التاء في «قمت» فكذلك هاهنا [و] كما أن الاسم المضمر في «أنت» أن وحدها والتاء لمجرد الخطاب وليست عمادا للتاء ؛ فكذلك «إيّا» هي الاسم المضمر وحدها ، وليست عمادا للكاف والهاء والياء.
ثم لو كان الأمر كما زعموا لكان ذلك يؤدي إلى أن يعمد الشيء بما هو أكثر منه ، وأن يكون الأكثر عمادا للأقل وتبعا له ، وهذا لا نظير له في كلامهم.
والذي يدلّ على أن هذه الكاف والهاء والياء ليست هي التي تكون في حالة الاتصال أن هذه الأحرف هاهنا ضمائر منفصلة ، وتلك ضمائر متصلة ، والضمائر المنفصلة ينبغي أن يكون لفظها مخالفا للفظ الضمائر المتصلة ، كما أن لفظ المضمرات المرفوعة المنفصلة مخالف للفظ الضمائر المرفوعة المتصلة ، وليس شيء منها معمودا ، فكذلك هاهنا.
______________________________________________________
وكان عليه ـ على هذا ـ أن يقول «إنما نقتلنا» ولكنه لو قال «إنما نقتلنا» لكان خطأ ؛ لأنه لا يجوز أن يكون فاعل الفعل ومفعوله ضميرين لشيء واحد ، لا تقول «ضربتني» ولا «ضربتك» بتاء المخاطب ، ولا «زيد ضربه» على أن يكون في ضرب ضمير مستتر يعود إلى زيد ، وتكون الهاء أيضا عائدة إلى زيد ، وإذا أريد هذا المعنى جيء بلفظ النفس فجعل مفعولا به ، فيقال «ضربت نفسي» و «أكرمت نفسي» و «ضربت نفسك» و «أكرمت نفسك» و «زيد أكرم نفسه» ويستثنى من هذه القاعدة أفعال القلوب وفعلان آخران ـ وهما عدم وفقد ـ تقول «ظننتني ، وخلتني ، وعدمتني ، وفقدتني» ، فلو أراد الشاعر أن يأتي بالكلام على الطريق المستعمل في كلام العرب كان يقول «إنما نقتل أنفسنا» قال الأعلم «وفصل الضمير من الفعل ضرورة ، وكان الوجه نقتلنا ، والأصل في هذا أن يستغنى فيه بالنفس فيقال : نقتل أنفسنا ، فوضع إيّانا ، موضع ذلك» اه. وأحسن مما قال الأعلم قول ابن يعيش «الشاهد فيه وضع إيانا موضع الضمير المتصل ، إلا أنه أسهل من قول حميد الأرقط :
* حتى بلغت إياك*
وذلك لأنه لا يمكنه أن يأتي بالمتصل فيقول نقتلنا لأنه يتعدى فعله إلى ضميره المتصل ، فكان حقه أن يقول : نقتل أنفسنا ، لأن المنفصل والنفس يشتركان في الانفصال ويقعان بمعنى ، فلما كان المتصل لا يمكن وقوعه هنا لما ذكرناه ، وكان النفس والمنفصل مترادفين استعمل أحدهما في موضع الآخر» اه.
