اضطراب الروايات في تحديد المكان الذي لجأ إليه داود عليهالسلام ، فهو في رواية لجأ إلى محانيم في عبر الأردن ، وهو في رواية ثانية إنما يلجأ إلى خيبر في شمال غرب الجزيرة العربية ، وفي رواية ثالثة صعد إلى عقبة طور سيناء ، بل إن نفس الرواية سرعان ما تعكس الاتجاه وتذهب به إلى الشرق ، فتعبر به الأردن ، وبدهي أن اضطراب هذه الروايات إنما يقلل من قيمتها التاريخية ، ويجعلها في مظان الشك وهواتف الريبة ، فضلا عن الشك في القصة من أساس ، وهذا ما نميل إليه ونرجحه.
وعلى أية حال ، فإن أبشالوم ، طبقا لرواية التوراة ، قد استطاع أن يستولى على أورشليم ، وأن يغتصب عرش أبيه بل إنه حتى لم يتورع عن أن ينتهك عرض أبيه بمشورة أخيتوفل على مرأى من الناس «فنصبوا لأبشالوم الخيمة على السطح ، ودخل أبشالوم إلى سراري أبيه أمام جميع إسرائيل» (١) ، غير أن بني إسرائيل بدءوا بعد ذلك يعودون إلى داود والانضمام إلى جيشه تدريجيا ، ربما نتيجة لما بذله بعض المخلصين له من جبرون ، وربما نتيجة لغرور أبشالوم وأخطائه الكثيرة ، وإصغائه للحمقى من المقربين إليه ، وما ترك ذلك من آثار سيئة في نفوس الناس.
وأيا ما كان السبب ، فإن أبشالوم قد حاول بكل ما وسعته المحاولة من أن يمنع عودة أبيه إلى أورشليم ، ومن ثم فقد جمع أنصاره قبل تفاقم الأمر ، وزحف بهم إلى شرق الأردن ، حيث كان أبوه في جلعاد ، وقد اجتمع إليه عدد كبير من الأنصار ، وهكذا بدأ القتال في «وعر أفرايم» قرب محانيم على الأرجح ، وأثبت رجال داود أنهم أعلى كعبا من رجال القبائل الإسرائيلية الذين التفوا حول أبشالوم ، ودارت الدائرة على أبشالوم الذي أمر الملك بعدم قتله ، «وكانت هناك مقتلة عظيمة في ذلك اليوم ، قتل عشرون ألفا ،
__________________
(١) صموئيل ثان ١٦ / ٢٢ وانظر : تاريخ اليعقوبي ١ / ٥٣.
![دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم [ ج ٣ ] دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1783_drasat-tarikhiya-men-alquran-alkarim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
