كما لا يخفى الثّاني أنّه إذا دل خبر الواحد على وجوب شيء حصل الظّن به فكان راجحا وخلافه مرجوحا وترجيح الرّاجح على المرجوح قبيح عقلا وحاصله أنّه لما كان المقصود هو الوصول إلى الأحكام الواقعيّة فكل ما ترجح في النّظر أنّه الواقع فهو أقرب إلى المقصود فترجيح الموهوم عليه نقض للغرض وهو الوصول إلى الواقع فيكون قبيحا والجواب أنّ تماميّة هذا الدّليل موقوف على ثبوت التّكليف بالنّسبة إلى الواقع وعدم وجود العلم وعدم التّمكن من الاحتياط وإلاّ فإن قلنا بانصراف التّكليف من الواقع إلى مؤدى الطرق الشّرعيّة كان اللازم هو العمل بالظن في الطريق لا في الواقع لأنّه أقرب إلى المقصود وإن قلنا بوجود الطريق العلمي أو التّمكن من الاحتياط لم يجز اختيار الرّاجح وترك المرجوح بل كان اللازم أوّلا الاقتصار على العلم وثانيا العمل بالراجح والمرجوح معا لأنّه أقرب إلى الواقع من اختيار الرّاجح فقط مثلا لو ظن الإباحة وتوهم الوجوب فلا ريب في أنّ الإتيان به أقرب إلى الواقع لأنّه إدراك له على جميع الاحتمالات بخلاف ما لو طرح الوهم ولم يأت بالفعل فيحتمل كونه تاركا للواجب حينئذ وقد يقرر الدّليل المذكور بوجه آخر وهو أنّ العمل بالظن راجح أي حسن عقلا يثاب فاعله والعمل بالوهم مرجوح وقبيح عقلا يذم فاعله ويعاقب لأنّ الوهم كذب حقيقة وفيه أنّ الظّن أيضا إن لم يقم دليل على حجّيّته كان العمل به والتّدين به قبيحا كالوهم من غير فرق وإن قام الدّليل على حجّيّته كان المتبع هو الدّليل وإن فرض قيامه على الوهم وجب اتباعه فلا فرق بين الظّنّ والوهم من هذه الجهة ثم إنّ هذا الدّليل أيضا كسابقه لا يدل على فرض تسليمه إلاّ على لزوم تطبيق العمل بالظن من باب الاحتياط وإدراك الواقع لا حجّيّة الظّنّ ووجوب التّديّن به فضلا عن حجّيّة الخبر كما لا يخفى الثّالث أنّ الرّسول صلىاللهعليهوآله مبعوث إلى كافة الأنام بلا كلام فيجب عليه تبليغ الأحكام ومقتضى هذين المطلبين صدور التّبليغ من النّبي صلىاللهعليهوآله فنقول إنّ التّبليغ الصّادر منه إمّا أن يكون بنفسه وهو منتف فرضا بل غير ممكن عادة وإمّا أن يكون بعدد التّواتر وهو أيضا كذلك أو بالآحاد المقرونة بقرائن القطع وهو كسابقيه فلم يبق من طرق التّبليغ إلاّ الواحد فيكون تبليغه الصّادر منه إنّما هو بخبر الواحد ثم نقول إنّه لو لم يجعل خبر الواحد حجّة تعبديّة لم يمكن التّبليغ به إذ يجب في التّبليغ أن يكون بحيث لا يبقى عذر للمكلفين والخبر لما كان غير مفيد للعلم لم يكن قاطعا للعذر إلاّ إذا جعله الشّارع حجّة تعبديّة فإذا دل الدّليل المذكور على ثبوت التّبليغ بالخبر دل على أنّ الخبر حجّة تعبديّة شرعيّة وهو المطلوب وفيه أنّ غاية ما يستفاد من هذا الوجه هو وجود طريق تعبدي وأمّا أنّه الخبر مطلقا أو بعض أقسامه أو شيء آخر معه فلا يستفاد منه فلا فائدة في نتيجة بل لا يتم هذه النّتيجة المحتملة أيضا إلاّ بعد إثبات عدم وجوب الاحتياط لأنّ تبليغ الأحكام المجعولة بنحو العلم ممكن غالبا فلم لا يجوز أن يكون هذا كافيا في التّبليغ لتمكن المكلفين من الامتثال بالاحتياط فيكون هذا الدّليل مفتقرا إلى مقدمات دليل الانسداد بل راجعا إليه في الحقيقة كما يظهر عند التّأمل وأمّا النّقل فأمور منها
