بين الإنشاء والإخبار ومنها أنهم ذكروا أن لله تعالى إرادتين إرادة تكوين وإرادة تشريع وليس إرادة التّشريع غير الطّلب فلو كان الطّلب عين الإرادة بالمعنى الأوّل لم يكن له إرادتان مع أنه يستلزم أن يوجد كل ما أمر به تعالى ويمتنع كل ما نهى عنه لأنّ معنى الأمر إرادة الفعل والنّهي إرادة التّرك وإرادته تعالى بالمعنى الأوّل لا ينفك عن المراد ومنها دلالة بعض الأخبار على الفرق كما ورد ما معناه أن الله تعالى أمر إبليس بالسّجود ولم يشأ أن يسجد ونهى آدم عن أكل الحنطة وشاء أن يأكل وذكر في الثّمرة بين القولين أمور منها أنّه يجوز التّكليف بالمحال على قول الأشاعرة دون المعتزلة لأنّ إرادة صدور المحال غير ممكن الحصول لكن طلبه جائز ومنها أنه يجوز الأمر مع العلم بانتفاء شرطه على الأول ومنها أنّه يجوز النّسخ قبل حضور وقت العمل على الأول ومنها أنّه يجوز اجتماع الأمر والنّهي في الواحد الشّخصي على الأول وليس نفس التّكليف محالا كما ذكر في المعالم لأنّه إنّما يكون محالا إذا كان الطّلب عين الإرادة لأنّ إرادة الفعل وإرادة التّرك لا تجتمعان ولا استحالة في اجتماع الطّلبين من دون الإرادة إذا قلنا بانفكاكهما هذا حاصل ما ذكروه في المقام والتّحقيق أن يقال إنّ وجود الفعل المختار محتاج إلى تصور ما في ذلك الفعل من المنفعة وهذا هو الدّاعي وإلا فنسبة القدرة إلى الوجود والعدم متساوية فإذا تصور ذلك المنفعة تشوق نفسه إلى تحصيلها وازداد الشّوق شيئا فشيئا إلى حد يتحقق الفعل بعده بلا فصل والمرتبة الأخيرة الّتي تليها الفعل يعبر عنها بالإرادة والمرتبة الأضعف بالمشيئة هذا في الممكنات وأمّا الواجب فالإرادة فيه عين الدّاعي وهو العلم بالأصلح فإنّه هو السّبب في تأثير القدرة في الوجود وبهذا علم بطلان ما قيل إن المرجح لوجود الفعل يمكن أن يكون هو الإرادة وذلك لأن تعلق الإرادة بالوجود دون العدم محتاج إلى مرجح لكن هذا في الممكن لا في الواجب لأنّ إرادة عين الدّاعي كما عرفت فيكون مرجحا إذا عرفت ذلك فنقول لا معنى لكون الطّلب عين الإرادة بالمعنى المذكور أعني الشّوق المؤكد الّذي يليه الفعل بلا فصل لأن طلب فعل من الغير لا يليه الفعل من الطّالب حتى يكون إرادة بهذا المعنى فنقول إن طلب الشّيء عبارة عن الجهد والاجتهاد والتّحرك في تحصيله كما ورد في الحديث اطلبوا العلم أي تحركوا في تحصيله واطلبوا الماء غلوة سهمين مثلا والتّحرك كما يمكن في الجوارح فكذا للنفس أيضا تحرك وجهد في تحصيل محبوبها وحينئذ فنقول إن محبوبها إن كان فعلا لها فتحركها أو جهدها إنّما هو بأعمال الجوارح لتحصيله وإن كان فعلا للغير فتحرك النّفس إلى تحصيله هو إلزام الغير بتحصيله وقد وقع صيغة الأمر للإلزام المذكور الّذي يوجد باللفظ الّذي هو طريق طلب النّفس كالمشي لتحصيل
