حلّاقك فيحلقك. فقام فخرج ، فلم يكلّم أحدا منهم كلمة حتى نحر بدنته ، ودعا حالقه ، فحلقه ، وكان الذي حلقه ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي ، فأما يوم الحديبية فحلق رجال وقصّر آخرون ، وقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «يرحم الله المحلّقين». قالوا : والمقصّرين يا رسول الله؟ قال : «يرحم الله المحلّقين» ، قالوا : والمقصّرين يا رسول الله؟
قالوا : فلم ظاهرت الترحم للمحلّقين دون المقصّرين؟. قال : «لأنّهم لم يشكّوا». قال ابن عمر : وذلك أنّه تربض القوم ، قالوا : لعلّنا نطوف بالبيت. قال ابن عبّاس : وأهدى رسول الله صلىاللهعليهوسلم عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضّة ، ليغيظ المشركين بذلك ، ثمّ جاءه صلىاللهعليهوسلم نسوة مؤمنات ، فأنزل الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ) (١) ... الآية ، قال : فطلّق عمر امرأتين كانتا له في الشرك. قال : فنهاهم أن يردونهنّ وأمرهم أن ترد الصدقات ، حينئذ ، قال رجل للزهري : أمن أجل الفروج؟ قال : نعم ، فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية ، ثمّ رجع النبيّ صلىاللهعليهوسلم إلى المدينة فجاءه أبو نصير عتبة بن أسيد بن حارثة وهو مسلم ، وكان ممّن جلس بمكّة ، فكتب فيه أزهر بن عبد عوف ، والأخنس بن شريق الثقفي إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم وبعثا رجلا من بني عامر بن لؤي ، ومعه مولى لهم ، فقدما على رسول الله صلىاللهعليهوسلم بكتابهما ، وقالا : العهد الذي جعلت لنا ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «يا أبا بصير إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر ، وإنّ الله تعالى جاعل لك ، ولمن معك من المستضعفين فرجا ، ومخرجا» [٥٠] (٢).
ثمّ دفعه إلى الرجلين ، فخرجا به حتّى إذا بلغا ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو نصير لأحد الرجلين : والله إنّي لأرى سيفك هذا جيّدا ، فاستلّه الآخر ، فقال : أجل والله إنّه لجيد. قال : أرني أنظر إليه. فأخذه وعلا به أخا بني عامر حتّى قتله ، وفرّ المولى وخرج سريعا حتّى أتى رسول الله عليهالسلام ، وهو جالس في المسجد ، فلمّا رآه رسول الله صلىاللهعليهوسلم طالعا قال : «إنّ هذا الرجل قد رأى فزعا».
فلمّا انتهى إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «ويلك ما لك؟» قال : قتل صاحبكم صاحبي. فو الله ما برح حتّى طلع أبو نصير متوشّحا بالسيف ، حتّى وقف على رسول الله ، فقال : يا رسول الله وفت ذمّتك أسلمتني ورددتني ـ وقيل : وذريتني إليهم ـ ثمّ نجّاني الله منهم ، فقال النبيّ صلىاللهعليهوسلم «ويل أمّه مستعر حرب لو كان معه رجال».
فلمّا سمع ذلك عرف أنّه سيردّه إليهم ، فخرج أبو نصير حتّى أتى سيف البحر ، ونزل بالغيّض من ناحية ذي المروة ، على ساحل البحر بطريق قريش ، الذي كانوا يأخذون إلى الشام ،
__________________
(١) سورة الممتحنة : ١٠.
(٢) تاريخ الطبري : ٢ / ٢٨٣ ـ ٢٨٤.
![الكشف والبيان [ ج ٩ ] الكشف والبيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1672_alkashf-valbaian-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
