إن يتنجم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم ، فدلك بها وجهه ، وجلده ، وإذا أمرهم أمرا ابتدروا أمره ، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم ، وما يحدّون النظر تعظيما له ، وإنّه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
فقال رجل من كنانة : دعوني آتيه. قالوا : أتيه. فلمّا أشرف على النبيّ صلىاللهعليهوسلم وأصحابه ، قال النبي : «هذا فلان من قوم يعظّمون البدن ، فابعثوها له» (١) فبعثت له ، واستقبله قوم يلبّون ، فلمّا رأى ذلك ، قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت ، ثمّ بعثوا إليه الجليس بن علقمة بن ريان ، وكان يومئذ سيّد الأحابيش ، فلمّا رآه رسول الله قال صلىاللهعليهوسلم : «إنّ هذا من قوم يتألّهون ، فابعثوا بالهدي في وجهه حتّى يراه» (٢).
فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده ، قد أكل أوتاده من طول الحبس ، رجع إلى قريش ، ولم يصل إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم إعظاما لما رأى ، فقال : يا معشر قريش ، إنّي قد رأيت ما لا يحل صدّه ، الهدي في قلائده ، قد أكل أوتاده من طول الحبس عن محلّه ، فقالوا له : اجلس ، فإنّما أنت أعرابي لا علم لك ، فغضب الجليس عند ذلك ، فقال : يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ، ولا على هذا عاقدناكم أن تصدّوا عن بيت الله من جاءه معظّما له ، والذي نفس الجليس بيده ، لتخلنّ بين محمّد ، وبين ما جاء له ، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد ، فقالوا له : كفّ عنّا يا جليس حتّى نأخذ لأنفسنا بما نرضى به.
فقام رجل منهم يقال له : مكرز بن حفص ، فقال : دعوني آته. فقالوا : ائته. فلمّا أشرف عليهم ، قال النبي صلىاللهعليهوسلم «هذا مكرز بن حفص ، وهو رجل فاجر» ، فجعل يكلّم النبيّ صلىاللهعليهوسلم ، إذ جاء سهيل بن عمرو فلمّا رآه النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «قد سهل لكم أمركم ، القوم يأتون إليكم بأرحامكم ، وسائلوكم الصلح ، فابعثوا الهدي وأظهروا التلبية لعلّ ذلك يليّن قلوبهم» (٣) فلبّوا من نواحي العسكر حتّى ارتجّت أصواتهم بالتلبية ، فجاءوا ، فسألوا الصلح ، وقال سهيل : هات نكتب بيننا وبينكم كتابا ، فدعا رسول الله صلىاللهعليهوسلم علي بن أبي طالب رضياللهعنه فقال له : «اكتب : (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)». فقال سهيل : أما الرّحمن فلا أدري ما هو ، ولكن اكتب باسمك اللهم ، كما كنت تكتب ، فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلّا (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ).
فقال النبيّ صلىاللهعليهوسلم لعليّ : «اكتب باسمك اللهم» ، ثمّ قال : «اكتب : هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله». فقال سهيل : والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك.
فقال النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «والله إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني». ثمّ قال لعلي : «امح رسول الله» ،
__________________
(١) مسند أحمد : ٤ / ٣٣٠ ؛ السنن الكبرى : ٩ / ٢٢٠.
(٢) مسند أحمد : ٤ / ٣٢٤.
(٣) كنز العمال : ١٠ / ٤٧٨.
![الكشف والبيان [ ج ٩ ] الكشف والبيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1672_alkashf-valbaian-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
