ولقد نبّئت بهذا المقام وهذا اليوم ، ألا وإنّ الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحّمت بهم فى النّار (١) ألا وإنّ التّقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمّتها ، فأوردتهم الجنّة ، حقّ وباطل ، ولكلّ أهل (٢) فلئن أمر الباطل لقديما فعل ، ولئن قلّ الحقّ فلربّما ولعلّ ، ولقلّما أدبر شىء فأقبل (٣)
__________________
(١) الشمس ـ بضمتين وبضم فسكون ـ جمع شموس وهى من «شمس» كنصر أى منع ظهره أن يركب ، وفاعل الخطيئة إنما يقترفها لغاية زينت له يطلب الوصول إليها ، فهو شبيه براكب فرس يجرى به إلى غايته ، لكن الخطايا ليست إلى الغايات بمطايا ، فانها اعتساف عن السبيل واختباط فى السير ، لهذا شبهها بالخيل الشمس التى قد خلعت لجمها ، لأن من لم يلجم نفسه بلجام الشريعة أفلتت منه إلى حيث ترديه وتتقحم به فى النار. وتشبيه التقوى بالمطايا الذلل ظاهر ، فان التقوى تحفظ النفس من كل ما ينكها عن صراط الشريعة ، فصاحبها على الجادة لا يزال عليها حتى يوافى الغاية. والذلل : جمع ذلول ، وهى المروضة الطائعة السلسة القياد.
(٢) أى : أن ما يمكن أن يكون عليه الانسان ينحصر فى أمرين : الحق ، والباطل ، ولا يخلو العلم منهما. ولكل من الأمرين أهل : فللحق أقوام ، وللباطل أقوام ، ولئن أمر الباطل ـ أى : كثر بكثرة أعوانه ـ فلقد كان منه قديما لأن البصائر الزائغة عن الحقيقة أكثر من الثابتة عليها. ولئن كان الحق قليلا بقلة أنصاره فلربما غلبت قلته كثرة الباطل ، ولعله يقهر الباطل ويمحقه
(٣) هذه الكلمة صادرة من ضجر نفسه يستبعد بها أن تعود دولة لقوم بعد ما زالت عنهم. ومن هذا المعنى قول الشاعر : ـ
|
وقالوا يعود الماء فى النهر بعد ما |
|
ذوى نبت جنبيه وجف المشارع |
|
فقلت : إلى أن يرجع النهر جاريا |
|
ويوشب جنباه تموت الضفادع |
![نهج البلاغة [ ج ١ ] نهج البلاغة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1617_nahj-al-balagha-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
