مقدمة الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
حمد اللّه سياج النعم ، والصلاة على النبى وفاء الذمم ، واستمطار الرحمة على آله الأولياء ، وأصحابه الأصفياء ، عرفان الجميل ، وتذكار الدليل وبعد ، فقد أوفى لى حكم القدر بالاطلاع على كتاب «نهج البلاغة» مصادفة بلا تعمل : أصبته على تغير حال ، وتبلبل بال ، وتزاحم أشغال ، وعطلة من أعمال ، فحسبته تسلية ، وحيلة للتخلية ، فتصفحت بعض صفحاته ، وتأملت جملا من عباراته ، من مواضع مختلفات ، ومواضيع متفرقات ، فكان يخيل لى فى كل مقام أن حروبا شبت ، وغارات شنت ، وأن للبلاغة دولة ، وللفصاحة صولة ، وأن للأوهام عرامة (١) وللريب دعارة ، وأن جحافل الخطابة ، وكتاثب الذرابة ، فى عقود النظام ، وصفوف الانتظام ، تنافح بالصفيح الأبلج (٢) والقويم الأملج ، وتمتلج المهج برواضع الحجج ، فتفل من دعارة الوساوس (٣) وتصيب مقاتل الخوانس. فما أنا إلا والحق منتصر ، والباطل منكسر ، ومرج الشك فى خمود (٤) وهرج الريب فى ركود. وإن مدبر تلك الدولة ،
__________________
(١) العرامة : الشراسة. والدعارة : سوء الخلق. والجحافل : الجيوش ، والكتائب : الفرق منها. وللذرابة : حدة اللسان فى فصاحة. والكلام تخييل حرب بين البلاغة وهائجات الشكوك والأوهام
(٢) تنافح : تضارب أشد المضاربة ، والصفيح : السيف ، والأبلج : اللامع البياض ، والقويم : الرمح ، والأملج : الأسمر. وهى مجازات عن الدلائل الواضحة والحجج القويمة المبددة للوهم وإن خفى مدركها. وتمتلج : أى تمتص ، والمهج : دماء القلوب ، والمراد لا تبقى للأوهام شيئا من مادة البقاء.
(٣) فل الشىء : ثلمه ، والقوم هزمهم. والخوانس : خواطر السوء تسلك من النفس مسالك الخفاء.
(٤) المرج : الاضطراب ، والهرج : هيجان الفتنة.
