وباسل تلك الصولة ، هو حامل لوائها الغالب ، أمير المؤمنين على بن أبى طالب. بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحس بتغير المشاهد ، وتحول المعاهد : فتارة كنت أجدنى فى عالم يعمره من المعانى أرواح عالية ، فى حلل من العبارات الزاهية ، تطوف على النفوس الزاكية ، وتدنو من القلوب الصافية : توحى إليها رشادها ، وتقوم منها مرادها ، وتنفر بها عن مداحض المزال ، إلى جواد الفضل والكمال. وطورا كانت تتكشف لى الجمل عن وجوه باسرة ، وأنياب كاشرة ، وأرواح فى أشباح النمور ، ومخالب النسور ، قد تحفزت للوثاب ، ثم انقضت للاختلاب. فخلبت القلوب عن هواها ، وأخذت الخواطر دون مرماها ، واغتالت فاسد الأهواء وباطل الآراء. وأحيانا كنت أشهد أن عقلا نورانيا ، لا يشبه خلقا جسدانيا ، فصل عن الموكب الالهى واتصل بالروح الانسانى ، فخلعه عن غاشيات الطبيعة ، وسما به إلى الملكوت الأعلى ، ونما به إلى مشهد النور الأجلى. وسكن به إلى عمار جانب التقديس ، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس. وآنات كأنى أسمع خطيب الحكمة ينادى بأعلياء الكلمة ، وأولياء أمر الأمة ، يعرفهم مواقع الصواب ، ويبصرهم مواضع الارتياب ، ويحذرهم مزالق الاضطراب ، ويرشدهم إلى دقائق السياسة ، ويهديهم طرق الكياسة ، ويرتفع بهم إلى منصات الرئاسة. ويصعدهم شرف التدبير ، ويشرف بهم على حسن المصير. ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضى ، رحمه اللّه ، من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرم اللّه وجهه : جمع متفرقه وسماه هذا الاسم «نهج البلاغة» ولا أعلم اسما أليق بالدلالة على معناه منه ، وليس فى وسعى أن أصف هذا الكتاب بأزيد مما دل عليه اسمه ، ولا أن آتى بشىء فى بيان مزيته فوق ما أتى به صاحب الاختيار كما ستراه فى مقدمة الكتاب. ولو لا أن غرائز الجبلة ، وقواضى الذمة تفرض علينا عرفان الجميل لصاحبه ، وشكر المحسن على إحسانه ، لما احتجنا إلى التنبيه على ما أودع نهج البلاغة ، من فنون الفصاحة ، وما خص به من وجوه البلاغة. خصوصا وهو لم يترك غرضا من أغراض الكلام إلا أصابه ، ولم يدع للفكر ممرا إلا جابه. إلا أن عبارات الكتاب لبعد عهدها منا ، وانقطاع أهل جيلنا عن أصل لساننا ،
