أمر يجل عن مثله مقام على ومن كان على شاكلة على ممن حضر عهد الرسالة ورأى نور النبوة ولسنا ـ علم اللّه ـ ممن يرى فى هذه الأسباب مجتمعة أو منفردة دليلا أو شبه دليل على ما ذهب إليه أنصار هذه الفكرة ، وقد نغالى إذا نحن اعتبرناها شبها تعرض للبحث ويتكلف الباحث ردها ، ولكنا ـ مع هذا ـ لا نبخل أن نقول كلمة موجزة فى شأن كل سبب من هذه الأسباب ، حتى يتيسر لنا الوقت الذى نظهر فيه بحثا متشعب المناحى فى هذه المسألة ، إن شاء اللّه أما عن السبب الأول فقد يعلم كل من شدا شيئا من التاريخ والأدب أن الامام عليا رضى اللّه عنه أصيب بموت النبى صلى اللّه عليه وسلم ، وهو مربيه وابن عمه وأبو زوجه ، وهو فى الثلاثين من عمره أو يزيد قليلا ، فهو شاب له حدة الشباب وتوثبه ونشاطه وطموحه ، وقد كان له ـ مع ذلك ـ من حصافة الرأى وسعة العلم ونفاذ البصيرة وسائر وسائل الاجتهاد مثل ما كان لشيوخ الصحابة وأكابرهم ، وهو أيضا مدل بمواقفه الكثيرة فى الذياد عن حوض الدين والدفاع عن حوزته ، مدل بتضحياته العظمى فى غير من ولا استكثار لها ، فهو إذن محزون ، كسير القلب ، راغب فى الترفيه عن نفسه ، محب للاعتراف بمواقفه المعروفة ، ولم يكن يبلغ به طموحه إلى الانتقاض على جماعة المسلمين بعد الذى بذل فى تأليفها ولم شعثها ، ولكنه قد كان يكفيه أن يتخذه مشيخة المسلمين مشيرا : يشاركهم الرأى ، ويمحضهم النصح ، والظاهر أن فتنة الخلافة التى ابتلى بها المسلمون والرسول مسجى على سريره كانت تستوجب هذه السرعة التى خاض غمارها رجلا الاسلام وشيخاه أبو بكر الصديق وعمر الفاروق رضى اللّه عنهما ، والامام على حينذاك مشغول بتعزية زوجه فاطمة عما أصابها ، فحدث من سوء التفاهم ما لا بد عنه فى مثل هذا الموقف ... وصبر على رضى اللّه عنه حتى دارت الأيام دورتها وأفضت الخلافة إليه ، وحينئذ لم يجد أمامه من يصح أن يؤثره على نفسه ، ووقف معاوية رضى اللّه عنه من الامام موقفه المشهور ، فكانت بينهما مناضلات بالكلام مرة وبالحسام مرة أخرى ، وإن السبب الذى يسيغ لأدبائنا أن يعترفوا بقتالهم وصراعهم وتجالدهم فى مواقف القتال هو بعينه السبب الذى نستسيغ من أجله أن يكتب لهم داعيا إلى التسليم له محتجا بسابقته ورسوخ قدمه ، ولقد كنا نتكلم فى هذا الموضوع مرة فقال أحد إخواننا : أنا لا أفهم معنى لانكار بعض الناس أن يقول على فى معاوية وعمرو
