وهم يؤمنون بانه حاربهما ودعاهما إلى مبارزته!!! ومن أجل ذلك كان تعريضه بالموقف الأول ممزوجا بالرفق واللين والهوادة ، وكان تعريضه بالموقف الثانى شديدا عنيفا وأما عن السبب الثانى فليس ما فى الكتاب كله سجعا ، وما فيه من السجع فهو مما لم تدع إليه الصنعة ، ولا اقتضاه الكلف بالمحسنات ، وأكثره مما يأتى عفوا بلا كد خاطر ولا تجشم هول ، ومثله فى عبارات عصره واقع ، ومن عرف أن ابن أبى طالب كان حامى عرين الفصاحة وابن بجدتها لم يعسر عليه التسليم. وأما عن السبب الثالث فانا لا نقضى العجب من جعله سببا لهذه الدعوى ، ومتى كانت دقة التخيل وإجادة الوصف وقفا على قوم دون قوم؟!! أوليس الشعر العربى مملوءا بدقة الوصف واستكماله؟ ثم أليس لقرشى شهد تنزيل القرآن ، وصحب أفصح العرب منذ نعومة أظفاره ، وكتب له الوحى ، وسمع ما يفجره اللّه تعالى على لسانه من ينابيع الحكمة ، أليس لهذا القرشى ميزة عن سائر الناس؟؟!! وأما عن السبب الرابع فانا لا نعتبر ما فى الكتاب من ادعاء علم الغيب ، وإنما هو من استنتاج القضايا الاجتماعية من مقدماتها وأسبابها ، ومثل الامام على فى دقة ذهنه وقوة عارضته خليق بالتمكن من هذا الاستنتاج : وعسيت أن تسأل عن رأى الأستاذ الامام الشيخ «محمد عبده» فى ذلك ، وهو الذى بعث الكتاب من مرقده ، ولم يكن أحد أوسع منه اطلاعا ، ولا أدق تفكيرا ، والجواب على هذا التساؤل أنا نعتقد أنه رحمه اللّه كان مقتنعا بأن الكتاب كله للامام على رحمه اللّه ، وإن لم يصرح بذلك ، والدليل على هذه العقيدة أنه يقول فى مقدمته يصف الكتاب «وإن مدبر تلك الدولة ، وباسل تلك الصولة ، هو حامل لوائها الغالب ، أمير المؤمنين على بن أبى طالب» بل هو يتجاوز هذا المقدار إلى الاعتراف بأن جميع الألفاظ صادرة عن الامام على ، حتى إنه ليجعل ما فى الكتاب حجة على معاجم اللغة ، اسمع إليه وهو يقول (ج ٢ ص ١٩٧ ـ من هذه المطبوعة) : «المواساة بالشىء : الاشراك فيه .... قالوا : والفصيح فى الفعل آسيته ، ولكن نطق الامام حجة» اه ، وأعاد هذه الكلمة بنفسها (ج ٣ ص ٧٢ الحاشية ٤ من هذه المطبوعة) وهو يذهب فيما ظنه أدباؤنا من علم الغيب إلى نحو ما قررناه من أنه تفرس واستنتاج ، انظر إليه وهو يقول (ج ٣ ص ١٣ حاشية ٦ من هذه المطبوعة) : «تفرس فيما سيكون من معاوية وجنده ، وكان الأمر كما تفرس» اه.
