قد نجد فيها غرائب ألفاظ فى غير وحشية ، وجزالة تركيب فى غير تعقيد ، فربما وقف فهم المطالع دون الوصول إلى مفهومات بعض المفردات أو مضمونات بعض الجمل ، وليس ذلك ضعفا فى اللفظ ، أو وهنا فى المعنى ، وإنما هو قصور فى ذهن المتناول. ومن ثم همت بى الرغبة أن أصحب المطالعة بالمراجعة ، والمشارفة بالمكاشفة ، وأعلق على بعض مفرداته شرحا ، وبعض جمله تفسيرا ، وشىء من إشاراته تعيينا. واقفا عند حد الحاجة مما قصدت ، موجزا فى البيان ما استطعت ، معتمدا فى ذلك على المشهور من كتب اللغة ، والمعروف من صحيح الأخبار. ولم أتعرض لتعديل ما روى عن الامام فى مسألة الامامة أو تجريحه ، بل تركت للمطالع الحكم فيه بعد الالتفات إلى أصول المذاهب المعلومة فيها ، والأخبار المأثورة الشاهدة عليها. غير أنى لم أتحاش تفسير العبارة ، وتوضيح الاشارة. لا أريد فى وجهى هذا إلا حفظ ما أذكر ، وذكر ما أحفظ تصونا من النسيان ، وتحرزا من الحيدان ، ولم أطلب من وجه الكتاب إلا ما تعلق منه بسبك المعانى العالية فى العبارات الرفيعة فى كل ضرب من ضروب الكلام. وحسبى هذه الغاية فيما أريد لنفسى ولمن يطلع عليه من أهل اللسان العربى. وقد عنى جماعة من جلة العلماء بشرح الكتاب ، وأطال كل منهم فى بيان ما انطوى عليه من الأسرار. وكل يقصد تأييد مذهب ، وتعضيد مشرب. غير أنه لم يتيسر لى ولا واحد من شروحهم ، إلا شذرات وجدتها منقولة عنهم فى بطون الكتب. فان وافقت أحدهم فيما رأى فذلك حكم الاتفاق ، وإن كنت خالفتهم فالى صواب فيما أظن على أنى لا أعد تعليقى هذا شرحا فى عداد الشروح ، ولا أذكره كتابا بين الكتب ، وإنما هو طراز لنهج البلاغة ، وعلم توشى به أطرافه. وأرجو أن يكون فيما وضعت من وجيز البيان ، فائدة للشبان من أهل هذا الزمان. فقد رأيتهم قياما على طريق الطلب ، يتدافعون إلى نيل الأرب من لسان العرب. يبتغون لأنفسهم سلائق عربية ، وملكات لغوية. وكل يطلب لسانا خاطبا ، وقلما كاتبا. لكنهم يتوخون وسائل ما يطلبون فى مطالعة المقامات وكتب المراسلات مما كتبه المولدون ، أو قلدهم فيه المتأخرون. ولم يراعوا فى تحريره إلا رقة الكلمات ، وتوافق الجناسات ، وانسجام السجعات ، وما يشبه ذلك من المحسنات اللفظية ، التى وسموها بالفنون البديعية. وإن كانت العبارات خلوا من المعانى الجليلة ، أو فاقدة الأساليب الرفيعة.
